|
حكاية عن الخضر والإسكندر وبعض الأنبياء أو ملحمة عين الحياة من حكايات ألف ليلة وليلة (المخطوطة رقم 4278 من المكتبة الوطنية والجامعية في ستراسبورغ – فرنسا) أهدي تحقيق هذه المخطوطة إلى الأخ سام حامد علي، حيث أنني لم أجد الكلمات الوافية والكافية للتعبير بالرد على رسالته المرسلة بتاريخ 18 نيسان أبريل 2007 للميلاد ، له ولجميع إخوانه من العلويين الأحرار، آملاً من المولى عزّ وجل أن يكون بعونهم في رسالتهم السامية نحو الوحدة الوطنية والاسلامية. جعفر الكنج الدندشي.
مقدّمة اعتدنا في دراسة الملاحم الأدبية في التاريخ، أن نتوقّف أول ما نتوقف عند الملحمتين اليونانييتين، الإلياذة والأوديسة، حيث وصلتنا منذ القرن التاسع عشر، ولم يكن العرب قد ترجموها إلى لغتهم في عصر الترجمة أيام العبّاسيين، ونحن نؤكّد أنّ السبب ليس رفض العرب لترجمة كتب ملاحم تتحدث عن ألهة اليونان القديمة الوثنية، ولكنهم لم يحصلوا عليها، ودليلنا على ذلك أنه في قلب العالم الإسلامي كتبت الفردوسي ملحمة الفرس الكبرى، شاه نامه. وأظنّ انهم لم يطلعوا على أدب الملاحم اليونانية بسبب تعصّب الدولة البيزنطية في العصور الوسطى التي أوقفت الفكر اليوناني بشكل عام. إلاّ أنّ هاتين الملحمتين كانتا شعريتين. وكانتا أيضاً إلى فترة قريبة أشهر الملاحم التاريخية، حتى بدأت ملحمة جيلكاميش السومرية تأخذ حيزاً مهماً في تاريخ الأدب العالمي. وصحيح أنه لا تخلو أمة من الأمم أو الشعوب من نوع من أنواع الملاحم، وذلك للاستفادة من دروس الحياة، وهذا هو دور الملحمة كعلم من العلوم الإنسانية.كذلك كانت ما قبل جيلكاميش في الدولة البابلية الأولى، وهي ملحمة آدابا، وما بعده في الساحل الفينيقي، في رأس شمرة،ملحمة أقهات، ومن ثمّ تلتها ملاحم اليونان، وفي فترات أخرى متقاربة كانت هناك ملاحم صينية وهندية وافريقية ثمّ أوروبية إنما في عصورٍ متأخرة. ولكن العرب لم ينشدوا الملحمة كملحمة بحد ذاتها بشكل مقصود، فحاول بعضهم تسمية سيرة سيف ابن يزي يزن ملحمة في العصر الحديث، كما حاولو إعطاء ذلك إلى سيرة عنتر ابن شداد أو إلى أيام العرب التي سبقت الإسلام... إلاّ أنّ هناك اللغز الأهم في الملحمة، ألا وهو قضية حق الخلود للإنسان، وقد برعت ملحمتان بين الملاحم التاريخية لوضع الإنسان عند حده كمخلوق فانٍ، بشكلٍ أو بآخر. أولهما جيلكاميش الذي ذهب إلى جده يطلب منه الخلود بعد سفره الشاق، وبعد أن يوضح له جده أنّ الخلود لا يحق للإنسان، يعطيه حلاً بوردة مجرّد أن يستنشقها تعيد له شبابه، وما أن يستلقي ليستريح حتى تأتي حية فتستنشق الوردة وتخلع ثوبها وتعود إلى وكرها. بينما نعرف أنّ نقطة ضعف أشيل في الإلياذة هو كعب قدمه، حيث أنه عندما غُطِّس في الماء مقلوب الجسد،فإنّ مياه الخلود مسّته كاملاً إلاّ كعب قدمه، فبقيت نقطة الضعف فيه وهكذا قُتل بسهم رماه به على كعبه أمير طروادة، باريس... وعندما وقع نظرنا، عن طريق الصدفة، على الحكاية التي بين يدي القراء، أعدنا النظر فيها مرّات عديدة، وكلما دخلنا في أعماقها أستنتجنا أموراً وأمورا. شخصيّتان عريقتان في التاريخ. الأول في الروحانية والإيمان في جميع الأديان السماوية، سيدنا الخضر، عليه السلام.( القديس جرجس) والشخصية الثانية هي شخصية أكبر أمبراطور عرفه التاريخ، الإسكندر ذو القرنين. أولهما يترك أمره لله، لا يبحث عن الخلود وليس له همّ في الدنيا سوى إرضاء ربّه. يدعوه الإسكندر، بعد أن افتتح الدنيا، ليصاحبه إلى حجاب الظلمة ومن ثم ليخترق هذا الحجاب، حتى يصل إلى عين الحياة، حيث أنّ المولى عزّ وجلّ يترك لمن يغتسل ويتوضأ ويشرب من هذه العين الخيار لساعة الموت. فيكتب الله بقدرته هذه النعمة للخضر ويمنعها عن الإسكندر ذو القرنين ، حتى يصل الراوي إلى ما يمكن أن نسميه عقدة الإنسان الكبرى وهي عدم قدرته على الخلود في الدنيا ولو كان أكبر أباطرة الأرض وأغناهم مالاً، وأن من هو أغنى من اغنياء الدنيا ليس إلاّ الإنسان القنوع، كذلك كانت شخصية الخضر، عليه السلام...وهكذا استطاع الراوي، في حكايات الف ليلة وليلة أن يبرع في أن يعطي النجاح إلى التواضع والقناعة، وأن لا يعطيها لأكبر ملوك الأرض، حتى ولو أنّ المولى عزّ وجل كان قد عمّه برضائه وكرمه.واستطاع أن يخلص هذا الراوي بشكل أذكى وألطف ممن روى ملحمة جيلكاميش أو هوميروس الذي كتب ملحمة الإلياذة أو غيرهما... ونعتقد أنّ أصول هذه الملحمة التي بين يدينا تعود إلى الآداب السريانية ما بين الإسكندر وإدريس (أندريه)، خلال اختراقهما حجاب الظلمة، وملخص القصة أنّ إدريس كان يغسل سمكة في عين ماءٍ فعادت تلك السمكة إلى الحياة، فتبعهاإدريس في الماء دون أن يدرك أنّ هذه عين الحياة، فيحظى بالخلود، ولكنه لا يدري ذلك، فيخبر الإسكندر عمّا حصل معه ، فيفهم ذو القرنين أنها عين الحياة، ويذهب للبحث عنها، ولكنّ الله لم يكتب له أن يجدها مرّة أخرى وكأنها لم تكن. وربما أراد السريان بذلك نقل مفهومهم لليونانيين، بعد أن اجتاحوا سورية، أنّ الروحانية أقوى من المادية، ونحن نعلم أنّ بلاد الشام، بالرغم من امتداد العصر الهلنسي لمدة ثلاثة قرون، والعصر الروماني من بعدة، لمدة سبعة قرون، لم يستطيعا أن يفرضا لغتهما،لا اليونانية ولا اللاتينية على بلاد الشام، بل حافظت الشام على هويتها السامية ولغتها الآرامية حتى دخول الساميين العرب في القرن السابع للميلاد. ولهذه الملحمة آثار مختلفة في المراجع الإسلامية من فارسية وعربية، نذكر منها المسعودي في مروج الذهب، والثعالبي والنووي وصحيح مسلم وتفسير الطبري وابن حجر العسقلاني والسبستاني والديار بكري ومحمد بن أحمد بن إياس وغيرهم...ولكنها غير موسعة كما هي في هذه المخطوطة الفريدة من نوعها في المكتبة الوطنية والجامعية في ستراسبورغ بفرنسا. إنّ هذه الملحمة، إذا صحّ التعبير، قد تفتح آفاقاً للنقاد في هذا العصر الذي أصبح فيه المنطق الأعوج هو المسيطر، وخاصة ما يأتينا من الشاشة الكبيرة الأمريكية، بعد عرضهم أخيراً للفلم السينمائي: الإسكندر الأكبر، وكان همّ المخرج الأكبر هوإظهار الشذوذ الجنسي عند أكبر فاتح في التاريخ، والذي تنظر إليه شعوب البحر المتوسط وآسيا بنظرة الإكبار والإجلال، هكذا يشوهون الحضارات وهكذا يشوّهون التاريخ...ونحن نقدّر لو كُتب لهذا النص المأخوذ من ألف ليلة وليلة أن يخرّج كفلم سينمائي، لأعطى الإنسانية الكثير من العبر والدروس في هذه الفترة الزمنية من الحضارة، هذه الحضارة والتي يمكن أن نقول عنها أقل ما نقول: حضارة الخطر والمخاطر وليست بحضارة حكيمة ولا بحضارة الحكمة.وإن كانت ألف ليلة وليلة بحكاياتها ما هي إلاّ مرآة للمجتمع العربي والإسلامي في العصور الوسطى، فإنه لا ينكر ابداً بأنّ تلك الحضارة قبل هرمها كانت قد أوصلت البشرية إلى ضفة الأمان، بينما تسير الحضارة الحالية بالإنسانية نحو المخاطر بخطاً حثيثة، لم نعد نأمن عقباها، ولو أنها تحلّت بالحكمة، لجعلت المجتمع البشري في أفضل الأحوال في تاريخه حتى اليوم بفضل التقدم العلمي وبخاصة الطبي والتكنولوجي. فالآداب في عصرنا هذا، تأخذ نوع الكمية وليس نوع الكيفية، وهكذا كل ما يحيط بنا من جوع الفقير وبطنة الغني وتشويه التاريخ و تشويه طبيعة الإنسان...الإيمان حتى التعصب الأعمى والانحلال حتى أدنى الدرجات... والله من وراء القصد جعفر الكنج الدندشي ستراسبورغ في 7/3/2007 من حكايات ألف ليلة وليلة
كان السبب في بناء مدينة الإسكندرية، أنّ الملك إسكندر لمّا طلب مغرب الشمس، وصل حيث الإسكندريّة وجمع العلماء والحُكماء وأمرهم ببنائها ووكّل عليها الحُكماء، وسنذكر ذلك في حديث تبيانها إن شاء الله تعالى. قال الراوي: أنّ الإسكندر ركب في بعض الأيام ينظر إلى أين تصل العمارة، وإذ هو بحجُبٍ (بحجاب) مُلقى، فأزاحه. وإذا قد ظهر من تحته ردمٌ. فأمر الملك أن يُنظّف ذلك الردم.وإذ قد لاح له أزج (1)فيه تابوت وعليه قفلٌ. فأمر الإسكندر بإخراج التابوت وكسر القفل وشال غطاء التابوت، فوجد فيه كتبٌ عظيمة فأخذها الإسكندر وجعل يقلّبها. فوقع بيده كتاب عظيم، وإذ فيه مكتوب بالخط اليوناني فقرأه, فإذا فيه < باسم العلي في سمائه المنفرد في كبريائه، الجزيل عطاؤه أحمده بموجب الحمد عليه(له)وإبراز الحول والقوة إلاّ إليه. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، عرّف فاعترف، وصلّوا على سائر أنبيائه الكرام ورسله المبعوثين على سائر الأنام.. ذكر الثقات الذين ليس في كلامهم ارتياب، أنّ الله تعالى في أرضه عينٌ(وردت عينا) ماء من وراء المغرب في حجاب الظلمة، ماؤها أشد بياضاً من اللبن وأحلا من العسل وأبرد من الثلج.مَن شرب ذلك الماء الذي في تلك العين واغتسل منه لا يموت حتى يكون هو الذي طلب الموت >(2) (1) الأزج بيتٌ يُبنى طولاً، ويقال له بالفارسية أستان (2)انظر ملحمة جيلكاميش السومرية تدخل في الأدب الإسلامي بشكلٍ آخر وهو سرّ الخلود في الدنيا الذي لم يُعطَ للمخلوقات.
قال الراوي: فلمّا قرأ الإسكندر الكتاب، وفهم ما فيه من الخطاب، فرح غاية الفرح، واتّسع صدره وانشرح. وطلب أن يعيش حتى يلحق بالنبي العربي المبعوث في آخر الزمان، المظلل بالعمامة صاحب الشامة والعلامة ويقاتلَ بين يديه الكفار ويكون سيفه على أعاديه، ويقيم منار الحق ويرفع لديه العدل. إذ رفت عيناه (وردت عينيه) وأمل أن يصل على عين الحياة. فعاد من وقته وساعته ونزل في خيمته وجلس على كرسي مملكته، وجعل يفكر في أمره ثم احضر العلماء والحكماء والفلاسفة وجميع الملوك. فلما حضروا في مجلسه قال لهم الإسكندر: أو رأيتم أو خبرتم أنّ في الأرض الظلمات أو جبال الظلوم في مجرى النجوم، عينٌ خلّفها الله تعالى تنبع من مصبّ جبل يُقال (له) سفلانوس (1) وهو تحت جبل هابيل بن آدم ونبيه. كان لهم في أعلى الجبل عين ما(ء) فيها خاصية ربّانية، من اغتسل فيها أو شرب منها أمِن من الأمراض والأعلال (والعلل) والسقام. ولا يموت حتى يُسألُ أن يموت أو يقبضه الله إليه. وهذه العين في المكان الذي يكون فيه الليل والنهار بالسواء مُعتدلين في سائر الفصول. والسنة عندهم كفصل الربيع. فلمّا سمعت الجماعة كلام الإسكندر، لم يكن فيهم من عرف ما أشار إليه الإسكندر من هذه العين، ولا فهموا ما قاله. فقالوا جميعاً: أيها الملك، هذا امرٌ ما علمناه وحديثٌ ما سمعناه... هنالك تقدّم إلى الإسكندر رجلٌ من الفلاسفة، وكان وسيماً جسيماً( وردت وسيمٌ جسيمٌ) ذو(ذا) فضلٍ عظيم. فقال: أيها الملك، فقم إنّي أُعلِمك أنني قرأت ذلك في صحف آدم، عليه السلام، في وصيته لولده الخلف عن أخيه المقتول، هابيل عليه السلام، وهو شيث. إذ يقول له (وردت إليه): يا بني اعلم أنّ الله تعالى إذا أطلع على إصلاح العبد بِنيّة العبد سخّر له ما في السماوات والأرض. واعلم يا بني أنّ الله تعالى، له عينٌ(وردت عيناً) تُسمّى عين الحياة وتسري كما يسري الليل والنهار، وعليها شجرة يُقال لها شجرة البرق، لا يقع عليها إلاّ من أراد الله له ذلك ويطلع على صفاء نيته .وإني موصيك أن أن توصي بَنيّ كأن يبلغوا سلامي (1)ربما يعني سفانوس، واستخرجنا ذلك من كتاب الفهرست، للنديم الورّاق، وهذا رسالة لفيثاغورث أرسلها لسيفانوسن فهل هي منطقة أو اسم شخص ؟ إلى آرام بن سام بن نوح (1) فإني دعوت الله أن يريه هذه العين، التي هي عين الحياة، ويقصدها بالياء والياس (والسين) من ياسين. ويعلم الإسكندر أنّ بالياء الخضر، وأنّ الخضر قال: سبحان الله ما أعجب هذا الكلام، وإنّ الله قادرٌ على كلّ شئ، قديرٌ وما ينكر شئٌ من قدرته، لأنه الفاعل المخصّ لمن يشاء من عباده، الذي لا يتعّر عليه الفعل متى يشاء. فقال له الإسكندر، وقد التفت إلى الخضر: ما تقول في ذلك يا أبا العباس (2). فقال : أيها الملك،إنَّ الله قادر على كلّ شئ، قديرٌ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وفوق كلّ ذي علمٍ عليم. قال الراوي: فلمّا سمع الإسكندر كلام الخضر اشتد(ت) همّته في طلب عين الحياة، وتجهّز من يومه وسارت (وردت وسارو) معه الأمم راجعاً على أثره نحو المغرب، والخضر في مقدّمة العساكر. وكلّما عبر على بلدٍ ومعه ما ( من) أهلها أحد(اً) أمرهم أن يتفقدّوا فيه ويعودوا إليه بالحفظ والدعة والسلامة والغنيمة (3). فردّ أهل العراق إلى عراقهم وأهل الشام إلى شامهم. ولمّا ورد أرض مصر، أمر القبط الذين كانوا معه من مصر، والبجاه(؟)أو عريان(؟) الذين كانوا يساكنونهم في بلادهم، أن يقيموا في أوطانهم ويستقرّوا في بلادهم (مكرر، أن يقيموا...) (1) ربما يعني الكاتب إرم الذي بنى مدينة إرم ذات العماد
(2) استخدام لقب ابي العباس، في الفترة التي كُتِبَت فيها حكايات ألف ليلة وليلة، كلن جزءً من ثقافة سياسية تعمّدها المقرّبون من العائلة الحاكمة، وذلك لإعطاء هالة لبني العباس بن عبد المطّلب، بكافة الأشكال، وللحد من ثأثير أبناء عمهم، من نسل الإمام علي بن أبي طالب، الذين ما كفّوا عن المطالبة بالخلاف’، حيث كانوا ولا زالوا يشعرون بأن حقهم مسلوب. والمعروف أنّ الدعوة التي اختطفها أبو العباس السفاح وقائده أبو مسلم الخراساني، كانت تدعو لآل علي بن أبي طالب.ولدراسة هذا الموضوع، من جوانب ما نُسِب لعبدالله بن عباس، (رض)، وما نسبَ من فضائل لأبيه، المفروض العودة إليها، ولا يعني هذا برأيننا أن نقلل من قيمة الخلافة العباسية حتى مقتل الواثق، بل العكس، فنحن نعتز بها اعتزازاً علمياً وسياسيا وفكريا، وهي في الواقع تمثّل العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية. (3)كان قادة الحروب المنتصرين، يأخذون أولياء الأمور في البلدان التي خسرت الحروب كأسرى، كما هو معلوم، إلاّ إذا تمّ الاتفاق على الصلح مسبقاً... وكذلك أهل الواحات أن يعودوا إلى أوطانهم،ثمّ سارمتوجهاً إلى الغرب،ولم يزل حتى وصل إلى أفريقية(1)وأقرّ أهلها فيها بعد أن خلع عليهم. ولم يزل الملك سائراً يصرف الأمم، أمة بعد أمة، حتى ما بقي إلا الروم وخواصه من أهل مقدونية. ولم يزل يطلب المروج الزاهرة والأرض العاكرة ليختار أرضاً تروق بناظره وتليق بخاطره.أمر أن تُبنى له مدينة، تكون فيها مدّة إقامته إذا رجع من عين الحياة ونال ما تمنّاه. وأنه مازال سائراً حتى وصل إلى أرضٍ طيبة البطاح، الماء فيها يجري، وقد جمعت سائر الأزهار والأشجار, وفي وسط الأرض عيونٌ تفور بماءٍ أحلى من العسل وأصفى من اللبن. فلمّا نزل في تلك الأرض، أمر بإحضار العلماء والحكماء وقال لهم: اعلموا أني اشتهيت أن تبنوا في هذه الأرض، حول هذه العيون والمروجمدينة تكون أصوارها(أسوارها) وأبراجها وبنيانها من النحاس، فإني أريد أن أجعلها مسكناً إذا رجعت من عين الحياة، ونال قلبي ما تمنّاه. فقال الحكماء:ما رأيت أيها الملك. ولكن صف لنا صفة ما تبني هذه المدينة. فقال الإسكندر:أريد أن يكون طولها خمسين ميلاً، وعرضها خمسين ميلاً، مربّعة، ويكون في كلّ صفٍّ من صفوف تربيعتها خمسين برجـ(ـاً)حتى تكون دورها مئتي برج، وتبنوا لي فيها قلعةً شاهقة في الهواء، وتكون قد رُكّبَت بجلاميد الصخور والحديد والنحاس. ويكون للقلعة أربعة أبواب: بابٌ إلى المدينة وبابٌ إلى البرّ وباب إلى البحر وبابٌ إلى المروج. و(أن) تجعلوا للمدينة إثني عشر باباً، منها أربعة أبوابٍ تُفتح إلى الأربع جهات، منها يُفتح إلى مغرب الشمس، وبابٌ يفتح على مطلع الشمس وبابٌ إلى القبلة وباب إلى الشمال.وبقية ( وردت وباقية) الأبواب في دائرة الأصوار(الأسوار) ويجعلون (وردت وتجعلون) بين كل شراقتين تمثالاً من النحاس، وفي يده آلة من آلات الحرب تقاتل به (يثقاتَلُ بها) وتكون حركاتٌ مختلفة. فإذا أقبل أحدٌ إلى هذه الصور منعته تلك الحركات وتلك الكواكب المصنوعات. ويكون على أبواب المدينة على كل باب فرسٌ من النحاس، وعليها فارسٌ من النحاس، وفي يده سيف مجرّد إذا أقبل الوارد إلى هذه المدينة، من أيٍّ كان يُرى(وردت ترى) إن كان فارساً(وردت فارس) (1)كانت المنطقة تُسمّى أفريقية انطلاقاً من بلاد تونس الحالية وإن كان راجلاً يضرب التمثال ويضرب بالسيف: فلما سمع بلينياس الحكيم (1)قال: أيها الملك ، أنا أعمل لك جميع ما طلبته، وما أريد منك إلاّ النحاس والحديد. فلمّا سمع الملك كلام بلينياس، قال: أيها الحكيم، علي القيام بكلّ ماتريد وما تختار(تحتاج) إليه وزيادة. ثمّ مكنّهم من الأموال وكلّ ما يحتاجون إليه. وأمر بغرس الأشجار حول العيون الجارية، وغرس فيها بستان فيه من كلّ فاكهة زوجان.وأمر أن يحفظ من خشب الصندل والعود القماري. وعمل البنائون وأرمو (ورموا) الأساسات، وعملوا له فيها قصر(اً) مليحـ (اً)، فيه بستان(و)فيه من كلّ الفواكه، وأمر أن تحاط(وردت تحوط) بخشب الساج وابوابها من العود القماري، مصفحة بالذهب الوهّاج، ومسامير الأبواب من الذهب والفضة. وعمل إلى جانب العين دكّة يجلس عليا الإسكندر، وحوّطوا عليها درابرون(؟) من العود والصندل، فطعّمها(وردت فطمعها) بأصناف الجواهر والياقوت. قال الراوي: ثمّ أنّ الملك رحل وأوصى بلينياس ببناء المدينة وأن يجتهد في ذلك. وسار طالباً مغرب الشمس، ولم يزل سائراً حتى وصل العين التي تغرب فيها الشمس إلى (وفي) تلك الليلة، نظر، وإذا الشمس تغرب ولها دويٌّ عظيم. (1) ربما يريد الكاتب بلينياس الحكيم أو أبلونيوس،الذي كان مهندساً يونانياً عاش في مصرفي عهد بتوليمي الثالث ، من فراعنة السلالة اليونانية في مصر، بعد الإسكندر الأكبر. ولم يعاصر بلينياس الإسكندر، لأنه ولِد في القرنين الثالث و الثاني قبل الميلاد، وله ثمانية كُتب، تُرجم منها ثلاثة إلى اللغة العربية،ثابت بن قرّه، ومنها تُرجم إلى اللاتينية.ويُعتبر واضع أسس الهندسة المدنية الحديثة. أنظر كتاب الفهرست للنديم، طبعة دار المسيرة، بيروت، ص.326 Et La Grande Encyclopédie, vol. II, p.362
حتى أنّ كلّ من سمع ذلك الدوي رجف قلبه. فأقام الإسكندر مقابلها تلك الليلة. فلمّا أصبح عليه الصباح، دنا من العين لينظر إليها، وإذ إلى جانبها تقدير نفقٍ تحت الأرض، تخرج منه أقوامٌ ضعاف الأجسادن ناحلين (ناحلي) الأبدانن عراة حفاة.وأنّ القوم لمّا عاينو ا موكب الإسكندر فزعزا منهم وهابوهم، لأنهم ما نظروا قط لمخلوق من بني آدم غير هؤلاء القوم الذين مع الإسكندر. فلمّا نظر اليهم الإسكندروقد فزعوا منهم، قال للخضر: إمضي إلى هؤلاء القوم وطيّب قلوبهم واعلمهم أنّ هذا الإسكندر ذو القرنين. فعند ذلك خرج الخضر إليهم وسلّم عليهم، فردّوا السلام. وأنّ الخضر تبيّن لغتهم، وإذا بها لهجة عجيبة من لغات العرب، لا يفهمها أحدهم(أحدٌ) سواهم، فهدّأ ورعهم(روعهم) وطيّب قلوبَهم. فقالوا له : من أنتَ، يرحمك الله؟ ومن أين أتيت، فما ظننا أنّ على وجه غيرنا ولا يتكلّم بكلامنا أحد. فقال الخضر: أنا رجلٌ من ولد آدم ،صأعبد الله تعالى. فقال القوم: عزَّ الله العظيم وجلَّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه ولا إله غيره، إله السموات والأرضين وخلقهما ورزقهما ومن هو فيها. هو الله الواحد القهّار الفرد الصمد، جلّ وتعالى أن يصفه الواصفون. ثمّ أنهم صافحوا الخضر وصافحوه وسلّم عليهم، وقالوا للخضر: مَن هذا الرجل الذي أتيتَ لنا برسالته؟ فقال لهم الخضر: هو الملك الإسكندر بن دارا بن الرومي، ملك الأرض في طولها والعرض، وهو صاحب الأقاليم(وردت الإقليم) المعمورة شرقاً وغرباً، وأنه ملك مطلع الشمس، مشرقها ومغربها، وأنا واسمي البا(1)وأدعى بالخضر، وقد بعثني إليكم لأطيّب قلوبَكم وأُزيل روعكم، فاخرجوا إلى العسكر وبيعوا واشتروا. فلمّا سمع (وردت سمعو) القوم كلام الخضر (قالوا): والله ما عندنا ما نبيع(وردت نبيعوا) ولا نشتري، ولا نملك شيئاً من حطام الدنيا، وليس لنا مأكول ولا قوت إلاّ من نبات الأرض، وشرابنا ماء الغدران، ونحن نحمد الله على ذلك، وعلى ما أولانا من جميل فضله وإحسانه. قال الراوي: فلمّا سمع الخضر كلامهم، عاد إلى الإسكندر وعرّفه بحلالهم(بحالهم) وأخبره بحسن اعتقادهم في الله تعالى... (1)لزيادة المعلومات حول هذا اللقب للخضر، أنظر الموسوعة الإسلامية، باللغة الفرنسية، ج. 4 ص. 937. فلمّا سمع الملك من الخضر أمر لهم ببناء مدينة، ففعلوا ذلك وأكثر الماشية ومن سائر ما معه من المتاع والذهب والفضّة وأسكنهم فيها. وكان الإسكندر يركب في كلّ يومٍ مرّة ويأتي إلى الساحل عند تلك العين الحامية، وينظر إلى حجاب الظلمة. ولم يزل الملك عند القوم حتى انتهى (من بناء)المدينة. ثمّ أنه جمع الحكماء والعلماء ودخل المدينة عندما فرغت (فرغوامن بنائها)، وجلس على مرتبته، وأجلس العلماء والحكماء، وسمّى تلك المدينة صاغوتا. وهذه الكلمة رومية، وتفسيرها بالعربي رأس حجاب الظلمة. قال الراوي:وأن الإسكندر عمل وليمةً عظيمة، أشبَع فيها المالك والمملوك والغني والصعلوك، وأخلع و وهب وأعطى الفضة والذهب. ثمّ أقبل على من كان حوله من الحكماء والعلماء. وقال: لعمري غني قد احببت أن أسير في هذه الظلمة عسى أن أقع على هذه العين التي تُعرفُ بماء الحياة، فما أنتم قائلون؟ فقالوا: أيها الملك، هل بلغك أنّ أحاً من خلق الله تعالى دخل إلى هذا المكان؟ فقال الملك: اللهمّ لا. فقالوا: أليس كان قبلك من أنبياء الله من هو عزيزٌ كريم؟ قال (الراوي): فقال لهم الإسكندر:قد كان ذلك كثيراً، مثل آدم وشيث وإدريس ولمك واخنوع وهود وصالح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وعيسى ابن مريم (1)وغيرهم من الأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل مثل داود وسليمان وأرميا وشعيب(2) وزكريا(3). ومن أنبياء الروم كسقانوس الذي كان يبرئ الزمنا(؟) والمرضى وأيوب، وغيرهم ما لا يحصي عددهم إلاّ الله عزّ وجلّ. ثمّ قال الحكماء للإسكندر: فهل سمعت أنّ الله عزّ وجلّ أوصل أحداً من هؤلاء الذين ذكرتهم إلى هذه العين، أو عبر إليها أحدٌ من قبلك (1) الناسخ أضاف اسم عيسى ابن مريم خطأً، لأنّ الإسكندر توفي سنة 323 قبل التقويم الميلادي . (2) لزيادة معلومات القارئ، سيدنا شعيب، عليه السلام، من أولاد إسماعيل وليس من أولاد إسرائيل يعقوب. (3) كذلك النبي زكريا الذي كان زوجاً لأخت السيدة مريم العذراء الذي ولِد بعد الإسكندر بما يُقرب الثلاثمئة عام.. قال الملك: اللهمّ لا. فقالوا(فقال) له الحكماء والعلماء: فنحن نعوذ بالله أن نسلك مكاناً لم يُسلَك. قال الراوي: فلمّا سمع الإسكندر كلام الحكماء قال لهم: اعلموا أنّكم خوّفتموني من سلوك هذه الظلمة، وأنا عزمت على سلوك هذه الظلمة إن شاء الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، ولا بدّ لي من ذلك. فمن اراد منكم أن يتبعني فليفعل، فإنّي لا أغصب أحداً منكم على سلوكها والعبور إليها إلاّ إن اختار هو ذلك وأحبَّ أن يؤانسني بنفسه. فلمّا سمع(وردت سمعوا) الحكماء قول(وردت قال) الملك، قالوا: ايها الملك، إذا كان الأمر كذلك فنحن لك وبين يديك ولا نبخل بأرواحنا عليك، ولكن إذا عزمت على ذلك، فاركبْ من الخيل الأناث الصغار، فإنها اصبر على الخطار. فلمّا سمع الإسكندر كلامهم، اختار من الخيل ستة آلاف مهرةٍ، واختار ممن طلب الرواح(وردت الراح) معه ستة آلاف رجل من الحكماء والفلاسفة والعلماء والملوك والأمراء. قال الراوي:فقال له الخضر:لستُ آمن إذا دخلت الظلمة أن تتوه عني وأتوه عنك، فاعطني ما أستضئ به. فأعطاه الملك درّةً كبيرة وقال له:إذا تاه(وردت تاهو) أصحابك عنك،(خذ) هذه الدرّة واتركها بين يديك على ظهر الحجرة من ناحيتهم،فإنها تضئ لكم. فأخذها الخضر وسار بين يديه، وتبعه الإسكندر بمن معه بعدما أوصى المقيمين وقال لهم:إذا قضيت نحبي وانتقلت إلى رحمةربي فالخليفة علىماكائن من بعدي الخضر،وعلى الناس أجمعين. قال الراوي: وسار الإسكندر في الظلمة خلف الخضر ذلك اليوم الذي دخلوا فيه في شئٍ من الضباب. إذ أطبَق فختم على الآفاق. وصاروا كلما دخلوا أو ساروا في الظلمة كثر الغلس عليهم، حتى اشتدت الظلمة عليهم. وفي اليوم الثاني صارت الظلمة من ظُلمة الليالي الصاخبة، ثمّ اشتدّت في اليوم الرابع حتى بقي الإنسان ما ينظر كفّه ولا مَن جنبه. فلمّا كان اليوم السادس تركوا أنفسهم مع الدواب تسير معهم كيف أرادت، فإذا سكتوا عن الكلام بعضهم لبعض، يظن كلّ واحدٍ منهم أنه وحده حتى يخاطب رفيقه ويسمع كلامه ويستأنس. قال الراوي:فلما كان اليوم السابع ، سمعوا تحت أرجلهم خشخشة وصلصلة ، فقال لهم الخضر، وقد سألوه: ما هذا يا ولي الله؟ قال لهم: هذا من اخذ منه ندم ومن لم يأخذ منه ندم. فلما سمعوا كلامه أخذ بعضهم منه شيئا (وردت شئ) وسار (وردت وصارو) القوم إلى أن وصلوا إلى موضع يأخذ بالبصرمن نوره في الظلمة. فلما قربوا منه امر الخضر الناس بالنـزول فنـزلوا هنالك، وإذا هو بيت من الذهب الأحمر يأخذ شعاعه (الأبصار). فأخرج(وردت فأخرجوا) الذين أخذوا من تلك الخشخشة في الظلام يبصرون في الشعاع، وإذا جوهرٌ وياقوت ومرجان، فندموا عند ذلك ، فصار (وردت فصاروا)الذين أخذوا قليلاً نداما(وردت ندموا) كيف ما أخذوا أكثر، والذي أخذ أكثر ندم لأنه (وردت الذي) ما أخذ أكثر ... فلما نزلوا عند البيت أقبل الملك على الخضر وقال له: قد خطر في قلبي خاطر. فقال له الخضر : وما الذي خطر لك؟ قال الملك سوف تعلم ذلك. كان الخضر سائراً في الظلمة أمام الناس، فإذا انقطع عنه الحس أخرج تلك الدرّة من غلافها فيستدلّون عليه بنورها ويسيرون . وأنّ الملك لمّا طال عليه الأمر، اقبل على الخضر وقال له: إعلم أن الخاطر الذي قلت لكن خطر لي وهو اني ادخل بهذا العالم إلى عين الحياة، فيشربون منه ويغتسلون ، وافعل كفعلهم، فأي فضيلة تكون لنا عليهم ؟ وقد شحّت نفسي بذلك . وأريد أن تقيم بهم في هذا المكان ولا تبرح حتى أعود إليك إن شاء الله . فإن وجدتها أرشدتكَ إليها، وهذا ما أريد( أن) أفعله. وهذا قريب منكم، بيت الذهب المضئ، فينظرون بعضهم بعضاً فيسوحون (وردت فيفيحون) فيه إلى أن أعود إليكم، إن شاء الله تعالى.فأجاب الخضر إلى ما طلب، وفيه رغب من الطلب. ثم تركهم وسار وحده في الظلمة. فهذا ما كان من الإسكندر. وأمّا ما كان من القوم، فإنهم لما فقدوا الملك استأنسوا بالخضر وجعلوا يتحدّثون معه إلى أن ناموا، وما كانوا يعرفون الليل من النهار إلاّ بالنوم. قال الراوي: ولمّا طابت عليهم غيبة الملك، أقبلوا على الخضر وقالوا له: يا ابا العباس، قد طال علينا مقامنا في هذه الظلمة، ولولا ضوء هذا البيت الذي آنست إليه أرواحنا، وإلاّ كنا من الهالكين، فما الذي عندك من خبر الملك، لأنه قد أبطأ علينا خبره وانشغلت قلوبنا عليه. فلما سمع الخضر كلامهم، علم أن القوم قد ضجوا من تلك الظلمة، فجعل الخضر يسكّنهم ويقرّب عليهم رجوع الإسكندر ويشغلهم بالكلام الحسن ويحدثهم بما جرى على الأمم السالفة من الشدائد، وما جرى على الأنبياء. ولم يزالوا (على) ذلك حتى سكنت نفوسهم إلى قوله وصبروا. قال الراوي: ولما طالت غيبة الإسكندر على الخضر، قلق عليه قلقاعظيماً(وردت قلق عظيم)وخاف أن ( وردت لا)يكون قدم (وردت قديم) عليه أمر من الأمور. فترك القوم ذات ليلة وقد أطعمهم وسقاهم حتى ناموا، وقام باسم الملك العلاّم وذكر أسماءً من الزبور وشدّ وسطه وسار وتقفّى أثر الإسكندر، فهذا ما كان من الخضر. وأمّا ما كان من القوم، فإنهم لمّا قامو من النوم، وكانوا إلى يومهم جانب بيت الذهب عين ماء شرح صافية عذبة الطعم فتوضّأ القوم(وردت فتوضؤا القوم) وأقبلو ليصلّوا خلف الخضر، فوجدوا مكانه غلامه فتح في المحراب، فصلّى بهم. وكان الخضر أوصى فتح بذلك . وأنهم لما فقدوا الخضر سألوا فتح عنه. فقال لهم سوف يأتيكم عن قريب. فسكت القوم، وانتظر القوم الخضر ثلاثة ايام، فلا حسّ ولا خبر ولا وقعوا له على أثر، فتحيروا في نفوسهم وخافوا. وقال بعضهم: إن نحن فقدنا الرجلين هلكنا، فعند ذلك يأسوا ( وردت ايسوا) من الحياة وأيقنوا بالوفاة، إذ فرغ زادهم... وكان معهم سبعة حكماء من المنظور إليهم، منهم واصل البصيرة. فاجتمع هؤلاء السبعة مع من اجتمع في بيت الذهب وقالوا: تعالوا نتناظر في قصة العالم وما سرّه ؟ومن أين يأتي ؟وإلى أين يذهب؟ ومن أين اقبلنا؟ وإلى أين نسير؟ وهل وجودنا من عدم إلى وجود؟ومن وجودٍ إلى عدم؟ إن كان خالقنا يدخل عليه النقص مثلنا ؟أو هو غني عن كل وجه؟ وما سبب فنائنا بعد وجودنا ؟ فقال الحكيم الأول: أترى أحدٌ من الأشخاص أدركَ الأشياء الحاضرة والغائبة ؟ فقال الحكيم الثاني: لو تناهت حكمة الباري في العقول كان ذلك نقصٌ في حكمته، وكان النقص والعرض غير مدرك. فقال الحكيم الثالث: الواجب علينا أن نقتدي بمعرفة أنفسنا التي (هي) أقرب الأشياء منا ، ونحن أولى بها، بصلاحها وتهذيبها. فقال الحكيم الرابع: لقد ساء وقوع من وقع موقعاً احتاج فيه إلى معرفة نفسه. فقال الحكيم الخامس: من هنا وجب فضل العلماء المهذّبين بالحكمة. فقال الحكيم السادس: الواجب على الإنسان الذي يجلب لنفسه أن لا يفعل غير ذلك (لا) سيما إذا عرف أن المقام في هذه الدار ممتنع والخروج منها واجبٌ. فقال الحكيم السابع: ما تقولون، غير أني خرجتُ إلى هذه الدنيا مضطراً وعشتُ فيها خائفاً وخرجتُ منها مكرهاً... قال الراوي: لما فرغوا من كلامهم ومواعظهم، أقاموا قلقين (وردت قلقانين) متفكرين في غيبة الإسكندر وفقدهم للخضر. فلما أصبح الصباح افتقدوا أصحابهم المقيمين معهم، فوجدوا السبعة الحكماء موتى، ثمّ أنهم افتكروا في الدنيا وعلموا انها تحزن وتزول وأنهم يموتون ولا تمنع ( وردت يمنع) حكمتهم الموت أن يأخذهم، قلّقهم ذلك وندموا على دخولهم في الظلمات وأنهم لا يعرفون (كيف) يخرجون منها، فماتوا مغمومين مهمومين، فدفنوهم في بيت الذهب، وعملوا على رأس كل حكيم لوح ذهب مكتوب فيه إسم الحكيم ونسبه وقبيلته وما قاله من كلام. وقبورهم هنالك إلى يومنا هذا. قال الراوي: وأما الباقون (وردت الباقين) (فكانوا) ينتظرون قدوم الملك الإسكندر والخضر، وفتح، غلام الخضر، يصلي بهم كل صلاة وهو في حزنهم على الحكماء. فبينما هم كذلك إذ وصل إليهم الخضر ، ومعه إثنين كذلك ، لهم نورٌ يغني عن القمر في ليالي البدر. فلما نظروهم تواثبوا إليهم وعاشت أرواحهم وأُنعِشت بعد ما كانوا (وردت بكل ما كانوا) يأسوا من الحياة. وأبصروا ما حولهم من تلك الأحجار وإذ هي دررٌ وياقوت وجوهر وذهب وفضة. قال الراوي: وكان من حديث الخضر أنه لما تركهم ومضى، لم يعلمهم بسيره وسار الخضر وحده يقفو الإسكندر، فأحاده الله، عزّ وجلّ، عن الطريق التي ( وردت الذي) أخذها الإسكندر لما يريد الله، عزّ وجلّ، من تمام مشيئته وما قدّره للخضر من إرادته، فجعل يسير وهو لا يدرك أين يمضي، وأنّ الظلمة تارةً تزداد وتارةً تنقص . ولم يزل كذلك حتى صار يرى خياله وخيال من يمر بين يديه، وليس في تلك الظلمة أحد لا رايح ولا جاي غير الجن الشياطين والصور المعكوسة. فسار ذلك اليوم والثاني والثالث، وقد سار (وردت صار) في الثالث مقدار ما سار في اليومين المتقدّمين، ولم يزل يسير حتى خرج من حدود الظلمة إلى حدود النور.إلاّ أنه لا ير شمساً ولا قمرا ولا نجوم ولا سماء . قال الراوي: فسار يجدّ في سيره، فبينما هو سائرٌ إذنظر إلى دابة عظيمة الخلقة، لها قوائم مثل قوائم البعير، وأخفاف مثل اخفاف الفيل ووجه مثل وجه الإنسان (1)فلما دنا منها الخضر قال: إله إلا الله وحده لا شريك له. قال( الراوي): فأجابته الدابة بمثل شهادته. فدنا الخضر منها وسلم عليها وقال لها: أيتها الدابة، سألتك بالله، من تكونين؟فأنطق الله تعالى الدابة وأجابته بلغة اليونان وقالت: يا ولي الله، أنا خلقني الواحد المنان، وعلامته لقيام الساعة، وأنا أرعى من حشيش أخضر هذا المكان ومن جوانب الأرض وأشرب ماء عين الحياة، فإذا جاء وعد ربي لخروجي خرجتُ. فقال لها: متى تخرجين؟ قالـ(ـت) حتى يهن الناس(وردت يهينوا الناس) وتعمل أمة محمد خمسة عشر خصلة، فعند ذلك أخرج من مكاني هذا (1) أنظر سورة النمل، الآية 82، والتفسير واسع جداً عند جميع العلماء الذين اختلفوا في شكلها والله أعلم. بإذن ربي، فأوسم المؤمنَ على جبهته مؤمن والكافر على جبهته كافر. فتأملها الخضر وإذ لها وبر عظيم لا يدركها طلب ولا يفوتها هارب. قالت: فأما المؤمن فيكون الوسم بين عينيه كالكوكب الدري ويُكتب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فيكتب بين عينيه بكتابة سوداء كافر. فقال لها الخضر، عليه السلام: وما هي الخمسة عشر خصلة التي تعمل بها أمة محمد في آخر الزمان، تُعاقَبُ عليها أمته؟ فقالت: يا ولي الله، إحفظ عني ما أقول لك، فإنّ لك عند الله مكان عظيم، وإلا ما كنت أخبرتك على شئ منها. فاعلم أنّ امامك عين الحياة، تغتسل من مائها وتتوضّأ منها، ويحرّم على صاحبك الإسكندر، ولا يصل إليها أبداً ولا يعرف أين تكون، وخذ حذرك من الشيطان اللعين إبليس، لك في الطريق، فلا يكيدك كما أنه كادللأسكندر(وردت الإسكندر)بقطف (وردت بالقطف) العنب الذي يخرج له من الجنة، فاحذر منه فتقع في الردى(وردت الردا) واعلم أنه ما بقي( وردت بقا) بين يديك عين سواها، وعلامة الحصى التي(وردت الذي) في باطنها الأحمر كأنه العقيق من شدة حمرته، سرٌّ بما أتاك الله. فقال الخضر:أيتها الدابّة، بحقّ خالقك، ألا ما أعلمتيني بالخمسة عشر خصلة التي تعملها أمة محمد وتكون سبب خروجك ؟ فقالت: أنا أخبرك بها، وذلك أنه قرب وقت الساعة . فأمّا الخصلة الأولى ، أنهم لا يقتسمون المغنم بينهم بالسوية، الثانية أنّ الأمانة عندهم مططا(وردت مطتا) الثالثة الزكاة مغرم (وردة مغرما) وأن يطيع الرجل زوجته ويعصي أمه، أن يبر صديقه ويحقر اباه، الخامسة ترفّع في المساجد، السادسـ(ـة)أن يكون زعيم القوم أرذلهم، السابعة أن بُكرم الرجل مخافة شره ويشرب الخمور ويلبس الحرير، الثامنة اتخاذ المعازف والقِناة، التاسعة أن تلعن أول أمة آخرهم، العاشرة ترك الصلاة، الحادية عشر أمرة السفهاء والصبيان، الثانية عشر يباع الحكم ويستباح الدم، الثالثة عشر قطيعة الرحم، الرابعة عشر أن يُتّخذ القرآن هزواً، الخامسة عشر أن الفقهاء والعلماء لا يعلمون ويكثر فيهم الرياء والنفاق وتطول مرتبة الرجل منهم بدون استحقاق (1) قال الراوي: ثمّ أنّ الدابة أرشدت الخضر على طريق عين الحياة.
(1) يستحسن مراجعة كتب الحديث الشريف ، دلائل يوم القيامة، حول هذا الموضوع. قال الخضر: فودّعت الدابة إلى أن غابت عني، ولم أزل سائراً حتى وصلتُ إلى عين ماءٍ تجري من تحت لحف جبلٍ وماؤها صاف. فقلت في نفسي: لا شكّ أنّ هذه عين الحياة. فدنوت منها فسمعتُ قائلاً يقول: لا تفعل يا أبا العبّاس ولا تقرب هذه العين، فليسـ(ـت) هي عين الحياة، فإنما هذا من مكر الشيطان وجنوده حتى يحجبوك عمّا أراد الله لك من الخير حسداً منهم لك، وإحادة عن طريق الخير. فسرتُ حتى طلعت الشمس وبان جبلٌ عال كالدخان، وإذا بهاتفٍ يهتف لي: سر أمامك إلى لحف هذا الجبل، وإنّ العين التي تطلبها في لحفه ، واعلم أنّ الذي كان يخاطبك كان إبليس، وأنه من هذا (وردت ذلك) المكان يرافقك، ولا يستطيع أن يسير خطوة واحدة إلا رمته الملائكة بحرابها حتى تقذفه إلى البحر السابع (1) قال الخضر:فسرت إلى لحف ذلك الجبل وأنا فرحان. فرأيتُ أشجاراً كثيرة على ذلك الجبل حول تلك العين، وفيهنَّ من كل الثمرات التي في الدنيا ومن سائر الفواكه. وإذا ماؤها أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من الشهد وأزكى رائحة من المسك. ثمّ نظرت وإذا برجلين (يقولان) ليست(وردت وليس) هي عين الحياة التي تطلبها. قال الخضر: فالتفتُّ عن يميني وشمالي فلم أرَ أحداً ، فبقيت فتعجّبت من ذلك ، وسرتُ في فلاةٍ ليس لها أول ولا آخر، حتى اشرفت على العين، فإذا إبليس تصّوّر لي على صورة رجل زاهدٍ. فأقبلت عليه، فلما دنوت به لم أعرفه، وبقيت متعجّباً(وردت متعجبٌ) من زيّه، فلما رآني قال لي : أظنّك متعجب مني ومن كوني في هذا المكان. فقال له الخضر: (1) لا أدري ما يعني الكاتب بالبحر السابع، فقد يكون متاثراً بالمبادئ الهفتية عند الديانات الفارسية القديمة، والله اعلم. هو ذلك. فقال إبليس: أنا رجل زاهدٌ قد سألت الله أن يوصلني عين الحياة كما سألتَه أنتَ وأن يجمع بيني وبينك هنا في هذا المكان، وقد استجاب الله سؤالي، أليس أنتَ الخضر؟ فقلت: نعم. فقال لي: تقدّم إلى هذه العين المباركة واشرب واغتسل، فقد أتاك الله مالم يؤتى أحدٌ(وردت أحداً) ، ولن يصل أخوك الإسكندر ، فإنه من شربَ من هذه العين واغتسل (أ)نارت عينيه في الظلمة ونظر ما وراء الجدران وأبصر في الظلام كما يبصر في ضوء النهار، ولم يتعب ولم ينكب، ويسلم جسده وبدنه لا يموت حتى تسأل الله عزّ وجل الموت. فتقدّم يا أبا العبّاس وتوضّأ واغتسل واشرب، فإنّ لك في ذلك الحظ الأوفر والخير والصلاح، فما كلّ وقت يحجّ الطلب، وأنا لك من الناصحين. ثمّ أنّ الملعون (لازال) يستجلب الخضر وينطلق به حتى سار معه. ووقف الخضر على العين ، فنظرها معكّرة وليس فيها حصى، والعين في أرض سوداء وحشة ، فبُهتَ الخضر. فقال إبليس: تقدّم واشرب من هذا الماء تقدّم واشرب من هذا الماء وانظر ما قلتُ لك. قال الخضر: فنظرتُ في نفسي وقلت: هذه حيلة من حيل الشيطان، ثمّ رفعتُ عصاةً كانت معي وضربته بها على رأسه فشججته شجّةً واحدة(وردت فشجه شجة واحدة) ، وقلت له: يا ملعون، ظننت أنني لا اعرفكَ؟ قال الخضر: فولّى اللعين هارباً، ونظر الخضر قدّمه إلى العين فلم يرها(وردت يراها) ولا وجد لها خبراً، فعلم أنها من حيل الشيطان (1) ثمّ قال الخضر: ثمّ سرت، وإذا بامرأةعجوز عليها مسرح (أسود) فلما قربت منها، قلتُ في خاطري: هذا اللعين إبليس. فقلتُ : إلى أين تذهب يا ملعون في هذا البرّ الأقفر؟ فقالت العجوز: ما أنا إبليس. ثمّ إنني قربت منها. فقالت: إلى أين تذهب في هذا المكان المهيب الخوفة، الذي لا يستطيع أحد سلوكه؟ فقلت لها: وما سؤالك عن شئ لا يعنيك؟ (1) إنّ الراوي متأثّر في هذا الموقف، بموقف سيدنا عيسى، عليه السلام، حين التقى بإبليس، أنظر إنجيل متّى، الإصحاح الرابع. قالت: إني مشفقة عليك ، فأخاف عليك الشياطين والجن يقاتلونك ، لأنّ هذه الأراضي أراضيهم وبلادهم، وإنّ الإنس ليس له عادة بالوصول إلى هنا، وما قلت لك(هذا) إلا شفقة عليك، لأنني أظنك قاصدٌ إلى عين الحياة، وليس هذا طريقها، ولكن عين الحياة قد تركتها خلفك، وأنتَ الآن أمامها، فارجع إلى خلفكَ إن كان مقصدك عين الحياة. وأنت الآن قد وصلت إلى حدود بلاد الجن وأرض الشياطين والمردة، وربما عتوا (وردت عتبوا) بك وقتلوك. وقد نصحتك لأنّ الله أرسلتني لك رحمة، فارجع على أثرك. قال الخضر عليه السلام: فلما سمعت كلام العجوز، قلت لها: يا عدو الله ، أظنك تصوّرت لي في هذه الصورة حتى لا أعرفك ، فاذهب إلى لعنة الله وخزيه. ثمّ تبعته بعضاً(من الطريق) فانهزم وغاب عني. وإذ بهاتفٍ يهتف لي ويقول: سر أمامك إلى لحف هذا الجبل، فإن العين التي تطلبها في لحفه(1)واعلم أن الذي كان يخاطبك كان إبليس، وإنه من هذا المكان يفارقك ولا يستطيع أن يسير فيه خطوة واحدة، وإلاّ رمته الملائكة بحرابها حتى تقذفه إلى البحر السابع. قال الخضر: فسرتُ إلى لحف ذلك الجبل وأنا فرحان، فرأيت أشجاراً كثيرةً على ذلك الجبل حول تلك العين، وفيها (وردت وفيهم) من كل الثمرات التي في الدنيا، ومن سائر الفواكه. فأشرفتُ على العين، وإذ ماؤها أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من الشهد وأزكى رائحة من المسك، ثمّ نظرت وإذا برَجُلين وهما وقوف على حافة النهر ومجاري العين يصليان. فظننت أنّ أحدهما الإسكندر . ففرحتُ ودنوت منهـ(ـما)وتميزتهما(وردت وتميزت منهما) ، فلم أعرف منهما أحداً. فبقيتُ متعجّبُ منهما. فلما أحسّا بي أوجزا في صلاتهما، ثمّ التفتا إلي وسلّما عليّ، فرددت(وردت فرديت) عليهما السلام، وإذا أحدهما وردب اللون مائلُ إلى الحمرة، سبط الشعر حسن الوجه واسع العينين(وردت العيون) قال الخضر: فالتفتَ إليَّ الأشقر الأحمر اللون وقال_وردت وقالت) أنت الخضر بن ملكان؟ (1) لحف الجبل هو شقٌّ فيه. فقال الخضر: نعم أنا ذلك.
فقاما إليّ واعتنقاني وفرحا باجتماعي بهماوأنا محير في أمري، ولم أدر( وردت ولم أدري) من هما(وردت ما هما)أمن الإنس أم من الملائكة. فلما أنست بهما قلتُ لهما: يا إخواني، من أنتما؟فما رأيت أجمل منكما. فقال الأحمر اللون: يا أبا العبّاس، أنا إلياس بن الياسين(1) من بني إسرائيل، أرسلني الله إلى بني إسرائيل وأخبرتهم برسالة ربهم، فكذّبوني وأرادوا قتلي، فهربتُ منهم، فصعدت إلى جبل بانياس. ثمّ أنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن ارجع إليهم وأذكّرهم بالله تعالى وأدلّهم على نجاتهم. فلما سرت إليهم أرادوا قتلي، فنجّاني الله منهم وغبت عنهم زمناً طويلاً. فأوحى الله تعالى إلي أن أصير إليهم في هذه المرّة ، فإن هم أجابوك، وإلاّ أهلكتهم. فذهبتُ ووعظتهم بأيام الله تعالى وخوّفتهم من عذابه وعقوبته، فلم يقبلوا منّي. فدعوت الله عزّ وجلَّ فأهلَكَهم وأهلك ملكهم وزوجته بعد قتلهم النبي يحي بن زكريا (2)الرجل الصالح، فسلّط الله عليهم الوحوش والسباع والذئاب، فأهلكوهم أكلاً ونهشاً وهم ينظرون بعضهم لبعض، والوحوش تاكل فيهم لمّا هجمت عليه في جناية الرجل الصالح.ثمّ أنّ الله تعالى كساني هذا الريش وألبسني النور وجعلني مَلَكاً سماويا وأرضاً أُنسيا، أطير مع الملائكة حيث اشاء. وقد كنت سألتُ الله عزَّ وجل أن يجمع بيني وبينك، فأخبرني ربي بعزّة عظمته أنه يجمع بيننا في هذا المكان عند هذه العين. واعلم يا ولي الله أن الله قد وفى بعهده فأنعم على عبده وجمع بيننا في هذا المكان الذي ما وصل إليه أحد من خلق الله تعالى إلاّ نحن هؤلاء الثلاثة. واعلم أن (يا أكيا؟) أنّ الإسكندر يتعب في طلب هذا المكان ولا يصل إليه ولا يناله، فلا يناله أبداً. فإنّ الله كتب ذلك في علم غيبه. (1) النبي إلياس، أنظر صفاته عند المفسرين. (2) يعني الراوي الملك هيرودوس، ولكنه يجمع بين عصر النبي إلياس ، عليه السلام، وبين عصر النبي يحي بن زكريا والمسيح عليهما السلام، والفارق الزمني بين العصرين واسع جداً، والله اعلم.أنظر الكتاب المقدس، العهدين القديم والحديث. فقلتُ له: فقال لي (وردت فقلت له) يا أخي يا خضر (وردت يا أخي يا إلياس) هذا إرم بن سام ابن نوح، وهو أول من وصل إلى هذا المكان بدعاء آدم، عليه السلام. وقبّل وجهه وصافحه. وكذلك فعل بالخضر. ثمّ أنهما جلسا يتحدّثان ، والخضر يحدثهمـ(ـا)كيف ترك الإسكندر في حجاب الظلمة وسار يدور على عين الحياة.
قال وهب بن منبّه، رضيَ الله عنه: ثمّ أنّ الخضر قام وشلح أثوابه وشدّ مئزره في وسطه ونزل إلى العين وسبح فيها وشرب وتوضّأ وغسل سائر جسده، وكان به وجع. فأزال الله تعالى عنه وزالـ(ـت) شكواه، وذهب عنه عياه. ونظر إلى صفوِّ الماء وحمرة الحصا، ثمّ غسل وجهه وتوضأ وطلع من العين ولبس أثوابه وقام يصلي (وردت صلى) مع القوم ما كان عليه من الصلاة ذلك اليوم جميعه. فلما دخل الليل، نزل عليهم من السماء(ملاك) ومعه ثلاثة قطوف من العنب، فقدّموا الطبق قدّامهم، وأكلوا من ذلك العنب بحسب الكفاية والنهاية. وكلما أخذ(وردت أخذوا) واحد منهم حبة من العنقود طلعت أخرى مكانها بقدرة الله تعالى. فلما شبعوا ارتفع الطبق وقامو إلى الصلاة طول ليلتهم على الصباح. فلما طلعت الشمس عليهم، قال لهم الخضر: يا أخواه (وردت يا اخوتاه) إنّ صاحبي الإسكندرن لما سار، جعلني الخليفة من بعده على أصحابه، وكانت مسيرته في طلب هذه العين، فلم يهده(وردت فلم يهديه) الله إليها، وغنّا استبطأناه، فخرجتُ أنا في طلبه، فانتهي فيَّ السير إلى ها هنا، بعد أن جرى في طريقي مع إبليس كيت وكيت...ثمّ عرّفهم ما جرى له مع إبليس ...وأنا قد تركتُ قوم الملك في الظلمة، وإني استأذنكما في الرجوع إلى القوم وكشف حالهم. فقالا له: ونحن معكم ونرافقكم ولا نفارقك. فقال لهم: اعزموا على بركة الله تعالى وعونه. قال الراوي: وسار (وردت وساروا) الثلاثة يجدّون في المسير إلى أن وصلوا إلى حجاب الظلمة، فولجوها ، وساروا حتى وصلوا إلى قوم الإسكندر وهم جلوس في بيت الذهب، ينتظرون الخضر والملك. فلما نظروا الخضر فرحوا به وسألوه (وردت وسلوه) عن الإثنين اللذين(وردت الذين) معه، فأخبرهم بخبره وخبرهما(وردت خبرهم) وما كان من أمره وأمرهما (وردت وأمرهم) فتعجّب القوم(وردت فتعجبو القوم) من ذلك وقاموا إليهم وصافحوهم وسألوهم الدعاء، فدعوا لهم. قال الراوي: هذا ما كان من هؤلاء. وأمّا ما كان من الإسكندر، فإنه سار ذلك اليوم، فبينما هو سائرٌ ، إذ كشف الله عن عينيه حجاب الظلمة، فنظر بين يديه إلى قصرٍ شامخٍ في الهواء، فتقدّم إليه، وإذ به من الياقوت الأحمر، وهو يسمع (وردت وهو يقول) لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله. فمدَّ الإسكندر نظره ليعلم الموحد مَن هو الذي يوحد الله في هذا المكان ! فأعاد القائل كلامه، وقال: لا إله إلاّ الله. فمدَّ الملك رأسه، وإذ هو بطائرٍ صغيرٍ أصغر من العصفور. فقال الإسكندر: أيها الطير أنت المتكلّم؟ فقال : نعم. فقال الإسكندر: كم لك هنا؟ فقال الطير: أنا خلقني الله وخلق ألف مدينة، وخلق في كل مدينة ألف حصن وفي كل حصن ألف بيت (1)وملأها من الخردل وألهمني كل يوم أن آتي إلى الخردل وآكل منه حبّة واحدة، فتكفني( وردت( فتكفاني) في اليوم، وقد نفذ جميع ذلك الخردل منذ خلق الله السموات والأرض والعرش والكرسي. فهذا مقدار عمري، وقد ضاع مني الحساب! فأنت، يُقالُ لك مَن؟ (ومن) أوصلَكَ إلى هذا المكان، لأني من الوقت الذي(وردت اللي) أنا فيه إلى الآن ما رأيتُ قبلكَ إنسان! فما تقول؟ (وردت فمن يقال لك) فقال: أنا الإسكندر بن دارا الردي (2)وقد ملّكني الله الأرض، طولها والعرض، وقد وصلتُ إلى مغرب الشمس (1) مليار أو بليون بيت. (1) يعتمد الراوي على كتابات عربية فارسية وهو أنّ الإسكندر كان ابن ملك الفرس دارا، أنظر قصص الأنبياءعند الكثير من المؤرخين كالطبري وابن الأثير وابن الجوزي... ودخلتُ حجاب الظلمة أطلب عين الحياة فلم أجدها، وقد سرتُ في هذا المكان حتى أحدّث بما عانيت من عجائب مخلوقات الله. فأنتَ مَن عرّفك باسم هذا النبي العربي الذي تقوله بالشهادة، وتقول أنه رسول الله ؟ فقال الطير: إنّ الله ألهمني أن أقول كل يومٍ سبعين ألف مرّة (لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله)وهي أكلي وشربي. يا ذا القرنين، أدخل إلى القصر، فإنّكَ ترى عجباً. فترجّل الملك عن جواده وربطه في حلقة باب القصر وهي من الياقوت الأحمر، وأرض القصر مفروشـ(ـة) بالزمرّد الأخضر. فلماوصل إلى (وردت في سط)القصر(وإذا)بشاب حسن الوجه، وقد مدَّ رجله اليمنى وأقرَّ اليسرى وهو شاخص نحو السماء، فجعلت كلما قربت منه تطا(ول) وتعاظم وعطم إلى أن وصلت إليه. فنظرتهن فإذا رأسه صار في السماء الرابعة ورجلاه(وردت رجليه) تحت تخوم الأرض. فلما نظره الملك على تلك الحاله فزع. ثمّ أنه شدَّ قلبه وتوكّل على الله سبحانه وتعالى وسار إلى أن دنا من الشخص وسلم عليه . فقال له: وعليك السلام، من أنتَ ومن تكون ؟ فقال: أنا الإسكندر. فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله. يا ذا القرنينن ملكت من مطلع الشمس إلى مغربها، وما كفاك ذلك حتى دخلتَ حجاب الظلمة، ثم أنك يا ذا القرنين قد بلغت إلى الطائر الذي هو مخلوق قبل الدنيا وهو الذي أرسلك إلي، فقد غررت بنفسك . يا ابن آدم لو استحيت من الله في سريرتك كما تستحي من الناس في علانيتك لشغلتك _وردت لاشغليك) الحياة عن ورودك ما وردت، يا ذا القرنين لو تعلمّت من العلماء ما جهلت، يا ذا القرنين ، تعلّم علماً نافعاً تدخل به الجنة (1)يا ذا القرنين، إعلم أن ظهور الأمة المرحومة التي آن ظهورها (فقال؟) هي أمة محمد بن عبدالله ، الذي يرسله الله في آخر الزمان وأمته خير الأمم وهم الشهداء يوم القيامة على جميع الأمم، يا ذا القرنين طوبا لمن جعل ذخره يوم القيامة، يا ذا القرنين، إياكَ ومحارم العباد ومظالم الناس، فإنّ الرجل لا يدخل الجنة وعليه مظلمة (1) هل يريد الراوي أن يلفط نظرنا إلى سيدنا موسى، عليه السلام وقصته مع الخضر في سورة طه؟ لمخلوق يا ذا القرنين ، إياك والنار، إياكَ والنار... قال الراوي: فلما سمع الإسكندر هذا الكلام بكى، وكان الملاك يقول هذا الكلام ويتقدم ساعة ويتأخر ساعة، فلما سكن بكاء الإسكندر وأقبل على ذلك الشخص، وقال له: يا أخي، من أنت الذي مَنَّ الله بكَ علي ن وأنتَ شاخص ببصرك إلى السماء، تلتفتُ عن يمين وشمالن وتتقدّم مرّة ةتتأخر مرة ؟ فقال الملاك: أنا إسرافيل الوكّل بالصور، وهو بيدي، وهو مرتقبٌ أمر ربي بالنفخ فيه(وردت بالنفخ بالصور) فإذا نفخت فيه الأولى مات أهل السموات والأرض، إلاّ مَن شاء الله من الملائكة، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.وميعادنا إذا انقضت المدة وفرغ الأجل سقط اللوح المحفوظ مقابل وجهي ، فأجثو على ركبتي وأنفخ في الصور نفخة واحدة ، فيموت أهل السموات والأرض، ثم يقبض الله جبرائيل وميكائيل وأنا ويبقى (وردت ويقال) ملاك الموت. ثم يأمره الله أن يموت، فيموت لوقته وساعته، ثم تقيم الدنيا أربعين سنة ليس فيها إلاّ الله عزّ وجل، ويقول: لمن الملك اليوم ؟ فلا يجيبه (وردت فلم يجيبه)أحد، فيقول الثانية والثالثة، فلا يجيبه أحد. فيقول: للواحد (وردت الواحد) القهّار. فسبحان الله العظيم القادر المقتدر الذي لا يموت ولا يذوق الموت ولا يقوته المقوت. يا ذا القرنين ، ثم أنّ الله يحييني بعد الموت ويأمرني أن انفخ في الصور، فإذا هم قيام ينظرون بقدرة من يقول للشئ ((كن فيكوم)) ولا تراه العيون. قال الراوي: فلما سمع الإسكندر ذلك بكى وقال: يا أخي إسرافيل، فمتى تقوم القيامة؟ فقال: علمها عند ربي، ولكن تقوم القيامة يوم الجمعة بعد صلاة العصر والناس في بيعهم وشرائهم، ولكن ما أعلم لها وقت، ولا أحد يعلم ذلك إلا الله سبحانه وتعالى، يا ذا القرنين ، ولكن عندي وديعة من يوم خلقني الله قاعدة مخبئة لك في غيب الله، وقد أمرني ربي أن أسلمها إليك من يدي إلى يديك. ثم ناوله حجراً مكتوبٌ عليه سطران (وردت سطرين) وقال له: خذ هذا الحجر فيكفيكَ على ما اطلعتَ عليه. فقال الإسكندر : إنني منذ فارقت أخي الخضر لأم أستطعم بطعام أو شراب، وقد مسّني الجوع . فقال له إسرافيل: من أين لنا هنا طعام أو شراب في هذا الموضع! إنّ الله جعل قوتنا، معاشر الملائكة، التسبيح والتقديس للطيف (وردت على اللطيف) المجيد ربّ العالمين. قال (الراوي): فبينما إسرافيل يخاطب الإسكندر إذْ سمع حسّ دوي في القمر يقول: يا إسرافيل، خذ ما يُدفع لك (وردت بك) واعطه (وردت واعطه) للإسكندر. فأومأ إسرافيل بيده نحو السماء، فطالت يده ، ثمّ أنه ردّها، وإذا هو بقطف عنب، فناوله الإسكندر وقال له: خذ هذا يا ذا القرنين ، هذا من ثمر الجنة، وإياك أن تؤثر عليه شيئاً من طعام الدنيا، فهذا يكفيكَ ما بقي ( وردت بقا) من عمرك، وكلما أكلتَ منه حبة رجعت مكانه حبة، فهو لا يفنى ولا يتغير ولا يدخل عليه نقصان. قال الراوي: فتناوله الملك وخرج من القصر، وقد التفت على يمينه وهو خارج... فأصاب كلاماً مكتوباً(وردت كلام مكتوب) باليوناني، فقرأه ، وإذا تفسيره بالعربي { لا تشكو ما نزل بك من سؤال ٍ (لـ)صديق ولا إلى عدو، فإن شكواك لا يقرّب بعيداً ويورثك الحرمان. واشكو مصابك إلى مولاك في السرِّ منك والإعلان، واكتم كل مصيبة أصابتك عن الخلان والجيران، وما أحبّك إن صبرت على نوائب الزمان} قال الراوي:فلما قرأ(هُ)الملك فهمه. قال: والله صدق مَن قال هذا الكلام. ثمّ خرج من القصر وركب جواده، ورجع طالباً عسكره ومعه قطف العنب والحجر. فسار وهو متفكّرٌ إلى أن أشرف على أصحابه ونظر إلى الأنوار التي (وردت الذي) تضئ في الظلمة ، فبقي (وردت فبقا) متعجباً من ذلك، وهو سائرٌ إليهم قليلاً قليلا( وردت قليلٌ قليل) والخضر وإلياس وإرم عليهم السلام قد نظروا إليه. وقال لهم إرم بن سام بن نوح : (يقول لهم؟) ابشروا، فهذا صاحبكم الإسكندر قد وصل إليكم. فالتفتوا ونظروه. فقاموا له إجلالاً واستقبلوه وهنّاؤه (وردت فاستقبله وهنّأه) بالسلامة. فلما جلس اجتمع ( وردت اجتمعوا) حوله الناس، وحدّثوه بحديث الخضر، وعرّفوه بإلياس وإرم بن سام. فسلّم عليهم واعانقهم ( وردت واعتنقهم)وقالوا له ( وردت وقال له): أيها الملك، الحمد لله على سلامتك، فأخبرنا ما الذي رأيت من العجائب ؟ فعند ذلك أقبل الملك على القوم فجعل يحدّثهم بما جرى له من أوله إلى آخره . ثمّ أخرج لهم الحجر الذي دفعه إسرافيل، وكان من الياقوت الأحمر. فلمّا رأوه تعجّب العلماء (وردت تعجبواالعلماء) والحكماء، وهو يقصد بحديثه إلى العلماء والحكماء، وتارة إلى الخضر وإلياس وإرم. وقال للعلماء والحكماء: عرّفوني ما تأويل هذا الحجر ولأ(يّ) شئ أعطاني هذا الحجر إسرافيل ؟ فجعل القوم ينظرون إلى بعضهم ولم يعلموا ما السرّ فيه، ولم يدروا(وردت يدرون) ما يقولون. فالتفتوا إلى الخضر وقالوا له: يا أبا العبّاس هل عندك علم من هذا ؟ قال: نعم، وعند هذا(ن)وأشار إلى إلياس وإرم. ثمّ أنّ الخضر أمر بإحضار ميزان، فأحضِر (وردت فأحضرت) الميزان . وجعل الخضر الحجر في كفة ، وجعل مقابله في كففه الآخر حجارة وذهب وفضة، وحجر إسرافيل يرجح عليهم، فتعجّبوا من ذلك غاية العجب. فقال لهم الخضر: اعلموا أنّهذا الحجر فيه موعظة وكلام لم يفهم. ثمّ أنّ الخضر أزال الحجارة والذهب والفضة وغيرها من الكفّة الأخرى (و) وضع كف تراب من الأرض مقابل الحجر في الكفة الأخرى، فاعتدل الوزن ورجح التراب على الحجر. قال الراوي: فلمّا نظر الإسكندر إلى ذلك تعجّب غاية العجب وقال للخضر: - يا أبا العبّاس، ما الحكم في هذا الأمر؟ فقال الخضر: إعلم أيها الملك، إنّ إسرافيل قد ضرب لك مثلا (وردت مثل) في هذا الحجر . ما قام بوزنه شئ. ثم أنك (لو كان لديك) إلى السموات (منه) ما امتلأت عينك. وكذلك رجح التراب على الحجر. ( أي) أنّ ابن آدم لا يملأ عينيه إلاّ التراب. فقال: والله لقد صدقتَ يا أبا العباس. وقد دخل قلبه همّاً شديداً وارتحل من وقته وساعته يطوي أرض الظلمة حتى خرج منها، وبات في المكان الذي أمر أن تُبنى فيه مدينة وسمّاها صاعوتا، وسار من هناك إلى المدينة التي أمر بلينياس الحكيم بعمارتها وهي مدينة النحاس.فأُعجب الإسكندر (بــ)ـما صنعه بلنياس وولده فيها من الحكمة، فأقام بها أياماً. وكان الملك لمّا قدم المدينة خرج الناس (,ردت خرجوا العالم) إلى لقائه، وضُرِبت الطبول والنقّارات والأبواق(وردت البوقات)، ورميت (وردت وأرميت) التماثيل الحراب من أيديها تغوص في الرمل (؟) وفرغ بلنياس مما صنع في هذه المدينة من الحركات، وأعلمه أن وزبره قد مات. وكان هذا الوزير أكبر وزراء الإسكندر، وكان اسمه سندسالوس(؟) فخلّف ولداً اسمه أسطوما(؟)وكان سندسالوس حكيماً عالماً. فلما سمع الإسكندر بموته حزن عليه وأخذ معه العلماء والفلاسفة ,سار (وردت وصار) إلى أن وصل إلى قبّة سندسالوس، وبكى، وكذلك الحكماء، ثمّ تكلّم كل واحد من الحكماء بكلام يوناني (وردت اليوناني)(ترجمته) بالعربية. فوقف الكل ينظرون ( وردت ينتظرون) إليه متفكّرين في عدم المتحرّك. فقال الخضر عليه السلام: أين معناك وأين الجوهر الذي أدراك ( وردت لدارك) ثمّ قال: أين معناك وأين الجوهر الناطق؟ فبكاه (ثم قال): أين مَن حرّك أعضاءك. لقد كان دورك، أترى أرض نور أم إلاّ هي مصطنيكا (؟)
قال الراوي: فلما سمع ( وردت سمعوا) القوم (الـ)ـكلام بكوا وحزنزا. ثمّ تقدّم إلياس وقال كلامه بالعبرانية، فكان تفسيره بالعربية هذه الأبيات: أسلموه إلى الثرى = حين ما فيه مُنتَفَع إنما النفع كلّه = كان في الروح فارتفع (ورد البيت: إنما النفع الذي في الروح فارتفع) جوهرٌ كان مشرقاً = وإلى أصله رجع. ثمّ تقدم إليه إرم بن سام فقال: هذه أجسام متفرّقة وحر(ة) فهوى ( وردت وهوا) وكل عنصر إلى ما فيه بدا. فعدِمَ مُحَرّكُ (وردت متحرّك) الأجزاء ومدرك الأشياء، فأين الجوهر البسيط وأين الفكر الحي ؟ أترى حصّل السفرة ؟ زاد أو حصّل في تحصيله فبادر. فقال الحكيم بلينياس: صدفة فارقت جوهرها وأظلمت وزاد أشداق الناس عليها، فتذكّرت معادن النفس والروح إلى عالم الدوام والبقاء، وعاد الجسم إلى التلف ( وردت التلاف) والبلاء. قال الراوي: وجعل كل حكيم يتكلّم بما عنده من العلم والحكمة، وسار الإسكندر حتى مدينة النحاس. وكان الملك قد جعل بلينياس الحكيم من جملة المقيمين في مدينة النحاس للحكمة والحكومة والقضاء بين الناس، وإليه يرجع أمرهم وأحكامهم. وكان ابنه أسطوما بالشبه مثله في العلم والحكمة والذكاء والمعرفة. فأخذه الإسكندر من جملة الحكماء والفلاسفة، وبقي مع بلينياس ولده الأصغر، وكان اسمه سلسلس، وكان فاضلاً عالماً (وردت فاضل عالم) فبينما هو يوم جالس مع أبيه في مجلس القضاء يتذاكرون ما أوتي ( وردت أتى) الملك الإسكندر من الملك والفضل والجود والكرم والعدل، ويتعجّبون كيف منعه الله الوصول إلى عين الحياة ومنح ذلك الخضر. فقال بلينياس: إنّ هذه الأمور مقاليدها بيد الله تعالى، ليس لأحدٍ على شئٍ منها سبيل، ولا حكم إلاّ ما يشاء الله له ذلك، وإنّ الله عزّ وجل هو الذي شاء للخضر ذلك فارتضاه له وقدّره وقضاه، كما قضى ذلك لصاحبيه اللذين وردا معه العين قبله وسبقوه، وهما إلياس وآرام بن سام، لأنّ الله أراد لهمـ(ـا) ذلك وقضاه (وردت وقضي) لهمـ(ـا) ولم يشأ ذلك للإسكندر، لأنّ كل شئ بقضاءه وقدره. |