spacer spacer
النصيرية

English

 
ميزان السلوك والعمل طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سام محمد الحامد علي   
16/02/2010

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد!
إخواني المؤمنون، أخواتي المؤمنات، السلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته.
نتابع هذه السلسلة المباركة من خطب الجمعة، الهادفة، بخطبة حول: ميزان السلوك والعمل، بعد أن تناولنا في تفاعلنا الروحي، العقلي، الإنساني، في هذا المسجد المبارك قضية: موازين الفكر والمعتقد وضوابطهما في الخطبة السابقة، والمسجد في الإسلام، والجمعة في الإسلام، في خطب سابقة.

أقول:
يحدُّ كلَّ عملٍ إنساني قاعدتان إنسانيتان، دينيتان، هما:
• "الأعمال بالنيات"، حيث يبتدئ كلُّ عملٍ إنساني طبيعي بنيّة ظاهرة..
• و: "الأمور بخواتمها"، إذ يُقوَّم كلُّ عملٍ بالنتائج التي تحققت من خلاله..
فكيف نضبط هذين الحدين، وبأي ميزان نزين سلوكنا وأعمالنا؟
نضبط هذين الحدّين بميزان العقل والشرع، أي بالعمل الهادف الجميل والسلوك النافع الحميد اللذين ينتجان ضرورة عن ميزان العقل والشرع!
فكلُّ عملٍ لا يُبنى على قاعدة فكرية وإنسانية واضحة ومحددة، ولا يُنظَّم بشكل جيد ومناسب، عملٌ غير سليم الأهداف والتوجُّه، وغير مضمون النتائج!
وإذا استحضرنا من خطبتنا السابقة ضوابط الشرع والإنسانية لمجال الفكر الإنساني والإرادة الإنسانية، من حرية المعتقد للجميع، وعدم وصاية أحد على أحد، وضمان أمن وسلامة كافة الناس والمجتمعات، إلى جلاء حقيقة "خلافة" الإنسان لله على أرضه، والتي هي "كلمة" الحب والخير، المتمثِّلة بعمارة الأرض بما فيها وما عليها، لا نيابةً عن الله في إدارة شؤون العباد، والتسلُّط عليهم، وسحق هويتهم، والعبث بخصوصياتهم الفردية والجماعية.. لأمسكنا بطرف خيط البداية، إذ يجب أن تنبع كافةُ خططِ أعمالنا وجميعُ برامج سلوكنا من حقيقة وجودنا الإنساني التنوّعيّ، الطيفيّ، في المجتمع الواحد، وفي المجتمعات المتعددة، ضمن الشعب والأمة الواحدين، والشعوب والأمم المتعددة!
فيجب علينا قبل الشروع بأي عملٍ أن نسأل أنفسنا الأسئلة التالية:
هل يحق لنا هذا العمل، وهل يصلح؟
ثم:
هل يعود علينا ذاك العمل بالنفع، وهل نفعنا الشخصي منه يصب في مصلحة المجتمع والدولة اللذين نحيا فيهما، أم أن النفع سيكون شخصياً محضاً؟!
وبعدها، نبدأ عملية التحقق من إمكانية نجاح هذا العمل، ثم دراسة أفضل الخطط والسُّبل لضمان ذاك النجاح.. بانين كلّ خطوة أو فكرة أو خاطرة على الأسس الدينية والإنسانية السليمة، الكفيلة بضمان حقوق البلاد والعباد وأمنهم وسلامتهم..
فعلى ماذا دلَّ كلُّ ذلك؟..
دلَّ على حاجتنا للنظام، الإنساني والديني والأخلاقي.. والذي هو بالحقيقة: دين الإسلام، والحياة التي دعا إليها وبنى عليها!

أيها الإخوة والأخوات،
نفتقر في كثير من مجتمعاتنا إلى حسّ الجماعة ووعي الجماعة، فمعظمنا لا يرى إلا المصالح الشخصية أو المُثل الشخصية، حيث تقوم الرواتب اليومية والأعمال الاعتيادية والبنائية وغيرها وفق ما يطيب ويحلو للقائم بها، أو وفق ما تراه نفسه صواباً، غير آبه بالحقائق التي يمتلكها غيره، ولا بأمانة رب العالمين المتمثلة بحقوق ذاك الغير عليه، فيَظلِم ويُظلَم، ويكون الشقاءُ والبؤسُ الحقيقيان مصيرَ ومآل خلقٍ كثير من خلق الله، وهو ما لا يرضاه الله للجنس الآدمي الشريف!
وليس ما نفتقر إليه هو الجزء الأهم في مشكلتنا في هذا الانحراف الإنساني الخطير، والمعصية الربانية الكبيرة، بل بجهلنا أو تجاهلنا، استخفافاً، أو استسلاماً، لمشكلتنا التي نعاني منها!
فـ: "الجماعة" ــ أيها الأهل الأحباء ــ هي معنى الوجود لسائر الكائنات الحية، وربما لسائر الموجودات؛ فلا معنى، ولا طعمَ، لعيشِ فردٍ بوحدةٍ ظاهرة أو خفية، ولا لفصيلٍ دون آخر؛ كما ليست الفردية الظاهرة بأخطر من الفردية المقنَّعة، بل الأخيرة هي الأشد خطورة، إذ بتحديد المشكلة والمرض يمكن إيجاد الحل والخضوع للعلاج، أما بالتخفّي والعناد والمكابرة لا يكون إلا البؤس والشقاء العظيمين!

أيها الأبناء والبنات،
خلقنا اللهُ لنحيا بسعادة وهناء، وعزٍّ وكرامة، ولنحقق إرادته ومشيئته من خلقنا؛ ولا سبيل لنا إلى ذلك غير الرجوع إلى الناموس الإلهي الحق والفطرة الإنسانية العظيمة، فنفوز الفوزين ونسعد في الدارين! فما قيمة الحضارة الإنسانية إذا كسبت المجد لاسمها والشقاء لأهلها، وما نفع التقدم العلمي إذا لم يُردف بالقيم الإنسانية، الفردية والاجتماعية، النبيلة والسامية!

أيها الأحبة،
عظمتْ صورةُ العِلم وكبر بإزائها الجشعُ والفقر الإنسانيان، الدالان على الجهل بحقيقة الإنسان لنفسه وغربته عن ذاته وفطرته؛ وكَثُر الدعاة والوعّاظ وقلّت الفائدة والأخلاق، وانتشرت الفضائيات الترفيهية والتضليلية والدينية والعلمية وانتشر معها كل سوء، أو تجسّد بأقنعة أخفى، أو تجذر بعمق أكبر، فانتشر الجهل الحقيقي، جهل الإنسان بماهية الإنسان، وعَظُم الاضطراب الفردي والجماعي في مختلف أرجاء المعمورة، ولم ينعم الإنسان بتحقيق هدف واحد من الأهداف المشروعة التي رجاها ــ على التمام والكمال ــ؛ فلِمَ حدث كلُّ هذا، وما السبيل لتصحيحه؟!
لقد تأتتْ كوارثُ الإنسانِ غيرُ الطبيعية بأكملها، والطبيعية بنسبة كبيرة منها، من جهل الإنسان وجشعه وغربته عن حقيقته وذاته، ولا سبيل له إلى العودة لِما فطره اللهُ عليه سوى بالدين الحق: الإسلام، الذي عمّ الأرجاء منذ بدء الله الخلق وإنْ بأسماء وحُلل مختلفة! فهل علَّم أحد من الأنبياء أتباعَه سوى طاعة الحق ونشر الحب والخير والأمن والسلام، وهل من دين لا يدعو إلى التسليم إلى الله والسِّلم مع النفس والآخر، وهل الإسلام غير ذلك؟
أيها المؤمنون والمؤمنات،
يلتبس على خلْق كثير من الناس الفروقُ الطقسية والتعبُّديَّةُ بين دينٍ وآخر، فيُظن أن هناك أديان مختلفة وأرباب مبتدعة.. والحق ما جاء في القرآن:
"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين مَن آمن بالله واليوم الآخر وعَمِلَ صالحاً فلهم أجرُهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون".
"وله أسلمَ مَن في السماوات والأرض طوعاً وكَرهاً وإليه يُرجعون".
"وله  يسجد مَن في السماوات والأرض طوعاً وكَرهاً وظلالهم بالغدو والآصال".
فعمود الدين عند اليهود الذين يؤمنون بالتوراة: عبادة الله الواحد، والإخلاص له، وعموده عند النصارى الإيمان بـ: "إله واحد آمين".
فبماذا افترقنا، وبماذا اجتمعنا؟
افترقنا مع الأولين باضطراب الفكرة وتشوّه الصورة وكثرة التحريف، واجتمعنا معهم بالجوهر الواحد لدين الله الواحد: عبادة الله الأحد!
وافترقنا مع التالين بالقول بالتجسُّد والحلول وتعدد المظاهر.. واجتمعنا معهم بذات الجوهر: عبادة إله واحد!
أولم يقل الحق في كتابه العزيز:
"لكُلٍّ جعلنا منكم شِرعةً ومنهاجاً ولو شاء اللهُ لَجعلكم أمَّةً واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون".
أوليس ناموس تعاملنا الحق مع بعضنا البعض:
"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله".
أَوَعُبِدَ غيرُ الله على التحقيق، أو في الحقيقة..؟!

أيها الإخوة والأخوات،
لا ينقصنا شيء في هذا الزمان كالتريث بالحُكم على الآخرين، ولا نفتقر إلى شيء افتقارنا لفهم الآخرين، ولا نحتاج شيئاً حاجتنا إلى قبول الآخرين كما هم والتكامل بودٍّ وصفاء معهم.. فهل هذا ما يُشخَّص من قِبل دعاتنا وأطباء أرواحنا ونفوسنا، وهل هذا ما يُعالَج ويُعتمد؟!
قد يصعب على أحدنا تصديق اعتراء الشيطان شخصاً يبدو متديّناً، أو رجلاً يلبس الزي الديني ويتحدَّث اللغةَ والمنطقَ الدينيين، لكن ما يُسهِّل الأمر، ويهوِّنه، هو الحقيقة المحضة، القائلة بإمكانية حدوث ذلك عن وعي وقصد، أو دونهما!
فقد يَضُلُّ شخصٌ ما فيُضِلُّ بدوره غيرَهُ دون نية الإضلال، وإنما العكس. وقد يَضُلُّ شخصٌ آخرٌ ويُغرِقُ في ضلاله إلى درجةٍ يمتهن فيها الإضلال والإحراف.. وهذان النوعان موجودان بنسبة ليست صغيرة في واقعنا ومجتمعنا ــ إنْ لم نقل سائدة في كافة مجتمعاتنا وبلادنا ــ!
وكما سبق أنْ ذكرنا في خطبة سابقة، يجب علينا ــ الوجوب التام ــ عدمُ الاستسلام والرضوخ، ومقاومةُ كافةِ أشكال الهيمنة والتسلط الفكريين والدينيين بالموقف الإيجابي والكلمة السِّلْمِيَّة البنَّاءة، ووفق القوانين والأنظمة والأعراف السائدة في بلادنا المحروسة؛ ولا علينا إنْ كنا قلة ــ اليوم ــ، أو ضعفاء، فقد وعد اللهُ المخلصين بالفوز والنصر، ولا بد أن ينتصر الحق في نهاية المطاف لا محال.

أيها الأحبة،
شرفُ الإنسانِ عملُه وما يحققه لنفسه والآخرين؛ وجمالُ الحياةِ بالحب والوئام والتعاضد والتكاتف والتقدم والازدهار، فتعالوا نبني ذاك المجتمع الإنساني الواقعي والمنطقي لا نحلم به وحسب، وتعالوا نتخلص من عيوب جهالاتنا ومُغذيّات إحباطنا بالتفريقِ الحقِّ بين المثالية والواقعية، وبين الإمكان والاستحالة، وبين ما يحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير وبين ما يحتاج إلى بعض الوقت والجهد. فليس من المثالية أو الحلم أن نسعى لمدينة فاضلة إذ وصل إنسانُ اليوم إلى مُدن القانون واحترام الإنسان أخيه الإنسان، ولا ينقصه سوى بعض الصلاح السياسي (كما هو حال بعض دول الغرب التي تدّعي الديمقراطية أو عدم الانحياز) والوعي الاجتماعي لحقائق الدين والشعوب الأخرى، فلماذا سُبقنا إلى تلك الكمالات والجمالات ونحن أحق بها وأولى؟
أيها الأحبة،
نحتاج في حياتنا الطبيعية إلى السكون والحركة، وإلى التخطيط والعمل، وإلى العمل والراحة، وإلى تحقيق الرسالة وترفيه النفس..
نحتاج إلى صلاح وتوازن داخليين وخارجيين، فهل نهبّ إلى ذلك أم نبقى في دوَّامات خيالاتنا وتناقضات واقعنا؟
ثقتي بكم، وبأمة الخير: أمة محمد ــ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ــ، كبيرة جداً، ويقيني بالله أكبر، فأَكثِروا من الدعاء لله والتضرع له طلباً للهداية والتوفيق وكلّ ما فيه خيركم ومصلحتكم. وأملي بالله وعشمي بكم أنكم عظيمون بأرواحكم وأنفسكم، جادون في طلب فلاحكم.. فإلى ميدان العمل وشرف الخدمة ــ سوياً ــ أيها الأحبة؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سام علي

 
< السابق   التالى >
 

مواضيع ذات صلة

آخر تحديث للموقع

 February 6, 2012, 6:00 pm 
النصيرية

spacer
Untitled 1