|
المرجعية في ضمير الإنسان ووجدانه |
|
|
|
الكاتب/ سام محمد الحامد علي
|
|
01/03/2010 |
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمةً للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد! إخواني المؤمنون أخواتي المؤمنات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قطعنا في خُطَبِ جُمَعِنا الأربع الماضية، السارية بين هلالي شهرنا المسجديّ الكونيّ الأول، مرحلةَ التأسيس العام ــ ذاتياً وموضوعياً ــ لمُجمل ما يجب معرفته والتنويه إليه؛ واليوم نبدأ بأهم تفاصيلنا، الكثيرة المتشعبة المتعبة من جهة، الغنية الهامة لتنوعها وكثرتها من جهة أخرى، وهو تفصيل: المرجعية في ضمير الإنسان ووجدانه، ودورها في توازنه الداخلي والخارجي وارتقائه على الصعيدين الشخصي والاجتماعي؛ باحثين بالوقت نفسه قضية "البوصلة الصحيحة" لدى الإنسان!
أقول: يحيا الإنسانُ على مبدأ العودة والاحتكام إلى نفسه أو إلى جهة أو مصدر خارجيين في كل خطوة يخطوها أو أمر ينفِّذه أو يتعاطى معه، سواء كانت الجهة والمصدر ممثَّلين بشخص، أو بكتاب أو قانون أو عرف؛ وذلك لامتلاكه العقل أو الوعي! والمقرُّ بهذه الحقيقة، والناكر لها، خاضعان لطبيعتها على حدّ سواء، لكن مع فارق كبير بينهما، هو: أن المقرّ بهذه الحقيقة قادر على تطوير نفسه والارتقاء بها عبر الاستفادة من معرفته بقدراته الذاتية وإمكاناته الموضوعية في الآن الراهن وفي المستقبل القادم، أما الناكر لهذه الحقيقة الوجودية الكبرى فإنه سيبقى أسير الوهم الذي يتخيَّله، إذ لا خروج عن محيط دائرة الوجود والتعاطي الإنسانيين الحتميين، والذي هو حاجة الإنسان إلى صوت وجدانه وضميره، وحاجته إلى الرجوع لغيره في بعض الأوقات والظروف أو في مجالات ومفترقات مختلفة! فكيف لنا أن نقوِّم واقعنا النفسي والذاتي، ثم واقعنا الخارجي والموضوعي، وكيف نستفيد من ذاك التقويم بأعلى وأفضل ما يُستفاد منه، ثم كيف لنا أن نطوِّر أنفسنا وإمكاناتنا الخارجية؟! أقول: كما أنه يستحيل على الإنسان الاستغناء عن أخيه الإنسان، ويصعب عليه الإحاطة بكل فنون المعارف والخبرات المطلوبة لحياة أفضل وأكمل، فإنه يستحيل عليه أيضاً أن يرتقي بنفسه ومحيطه دون البحث بكل صدق وشفافية في أغوار نفسه وفي محيطه المعاش والمتاح ليحدِّد بكُلِّ دقةٍ واقعَه بكلِّ أبعاده، ويخطط بشكل عقلاني وعملي خطةَ تعاملٍ مع الواقع لتطويره بالمستوى الأعلى الممكن وبأقصر وقت! فكيف يبدأ، وبماذا؟ يبدأ بالنظر السليم إلى نفسه ومقوِّماتها المعنوية والفكرية، فيُقرّ أولاً بافتقاره لكثيرٍ من المعارف والتجارب والقوى المعنوية والمادية، ثم يبدأ بتوصيف مقامه وتحديد حجمه بمنتهى الصدق والشفافية، فيقول ــ بناءً على ما مرَّ معنا من أولويات المعارف والعلوم في الخُطَبِ السابقة ــ: عليَّ الاعتراف أولاً أن الوجودَ والحريةَ حقٌّ شرعي وقانوني لكل موجود، وأنه لا وصاية قسرية لأحد على أحد، وإنما خضوع متساوٍ بين الجميع لقانون الحياة والوطن. عليَّ الاعتراف بأن دينَ اللهِ واحدٌ، وأن التعدد بالرسالات لا يعني اختلاف المعتقدات من حيث المصدر والجوهر. عليَّ الإقرار بالفارق الكبير بين المحافظة على الهوية والتراث، أو احترام التراث والخصوصية، وبين تأطير الحياة والفِكر بأُطرِ العصبيات القومية والطائفية والمناطقية والعائلية.. عليَّ الإقرار بالفَرْق الشاسع بين احترام السَّلَف من الأهل والرموز الدينية والاجتماعية وبين التسليم والائتمام بعمىً مقنَّعٍ وقناعة فارغة مزيفة بكل ما وُجدتُ عليه أو خُلقتُ به! عليَّ الاعتراف بأنَّ مِن الناس مَن وُهِبَ شرف العِلم والاكتشاف العِلمي أو القانوني، الإنساني والاجتماعي، من غير ملتي وجِلْدَتي، وعليَّ الاعتراف بفضله وتقدير مكانته! عليَّ الإقرارُ بأن الخصومة أو البُغض لا يورِّثان إلا المشقةَ والفسادَ، وأن الحب والانسجام هما الأساس لكلّ خيرٍ وسعادة؛ وأن فهمي لا يمكن إلا أن يكون قاصراً لبعض جوانب وأمور الحياة أو لبعض معتقدات وأفكار بعض الناس، فالكمال والإحاطة من صفات الله وحده ــ سبحانه ــ. وأنه لا يمكنني فِعل كلّ شيء دفعة واحدة، ولا بزمن قياسي خرافي، كما أنه لا يمكنني القعود عن طلب معرفة ذلك، فالجهلُ بهذه الأمور مضرةٌ إنسانية كبرى! وبعد هذه المصارحة الافتراضية يبدأ المرء بتقويم مستوياته العلمية والفكرية، وخبراته وتجاربه في شتى مناحي الحياة، ليُحدِّد نقاطَ ضعفه وقوته، وليُحدِّد ما هو الأوْلى والأوجب والأهم، ثم يقوم بالنظر في محيطه ليختارَ الشخصَ أو المرجِعَ الأنسبَ لمساعدته على تطوير نفسه أو للرجوع إليه عند الحاجة، عِلمياً أو نفسياً أو فقهياً أو اجتماعياً أو قانونياً أو غير ذلك، ناظراً بالوقت نفسه عن بديل أرقى وأسمى إنْ شعر بأن الشخص القريب المختار على جناح السرعة لهذه المرحلة ليس الأصلح أو الأفضل! وهذا كله من جهة الإنسان العادي، أو: المشغول بأموره الدنيوية الخاصة عن الأمور الإنسانية والاجتماعية العامة، أما مَن تتوج بشرف خدمة الناس والعمل لأجل مصالحهم فعليه الأخذ بما يحتاجه مما تقدَّم، وعليه العمل مع نظائره لتشكيل المرجعيات الاجتماعية والدينية والثقافية والخدمية المفقودة، وفق قوانين وأنظمة البلاد التي يعيش بها، وبما يناسب ظروفها وتوجّهاتها السياسية والاقتصادية، وبما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى! أما قضية المرجعية بحد ذاتها، سواء كانت شخصاً أو هيئة أو جهة، فلها أنواع ومستويات؛ ومن أنواعها: • المرجعية الروحية أو الدينية.. • المرجعية السياسية.. • المرجعية الاجتماعية.. • المرجعية العائلية.. أما إشكاليات المرجعيات الروحية أو الدينية فإنها تتجسَّد بالخطر الأكبر وهو تحوُّلها إلى مرجعيات طائفية ومذهبية بالمطلق بدلاً من تنوّعها بأطياف منسجمة متكاملة تدور في فلك المرجع الروحي الأكبر، المركز، مُشَكِّلة أوسع دائرةٍ للحراك والإبداع الفكري والاجتهادي، وحَلُّ ذلك ــ إنْ وُجِدَ ــ يكون بالوقوف على حقيقة المشكلة القائمة والعمل الجماعي: الاستشاري والتطبيقي، الصادق والخالص.. أما إشكاليات المرجعيات السياسية في مختلف بلادنا العربية والإسلامية فتتمثَّل بمدى فَهْمِ واتصال القاعدة بالمستوى الأعلى، ومدى ثقة ورضى تلك القاعدة ببعض المتنفِّذين من أهل السلطة. أما ببلدٍ ميمونٍ كبلدنا "المحروس": سوريا، فكلُّ الآمالِ بخيرِ سيدٍ لخيرِ وطنٍ: الرئيس المفدَّى بشار الأسد، وبما أحاطه الله من نخبة البطانة، وبشعبِ سوريا الكريمِ الأبي؛ وما الفسادُ المحكيّ عنه أو الملموسُ بدائمٍ ولا خالدٍ، ولا تُعالج الأمور إلا بالحكمة والتأنِّي والحزم مِن وليّ الأمرِ ومَن يفوِّض ويختص.. وبالمحصّلة، علينا بأنفسنا وبالحب والمودة والسِّلم، وعلى غيرنا ما عليه.. أما إشكاليات المرجعيات الاجتماعية فتتركَّز في القِلَّة القائمة بهذه المهام الجليلة والجسيمة، من غير الأكفياء والأخصائيين، وعدم تنظيم أعمالها وجهودها، ووقوعها بشِرك الطائفية والمذهبية أو المناطقية والفئوية؛ وحلّ ذلك يبدأ من إصلاح النفس وتهيئتها، واختيار الأفضل أو استقدام النخبة من أقرب أهلٍ وألصقِ دائرةٍ. أما إشكاليات المرجعيات العائلية فأخطرها: تجاهل أهمية وجود هذه المرجعية من قِبل معظم أبناء الأُسَرِ والعائلات الكبيرة والصغيرة، أو الجهل بها، فضلاً عن التحاسد الداخلي أو وجود مرجعيات غير جديرة بهذا الشرف؛ ويكمن الحلُّ بالتثقيف والإعداد لواقع مغاير، أفضل وأجمل.. أما إشكاليات سائر أنواع المرجعيات، على اختلافها، فتحوُّل بعضها إلى زعامات وإقطاعات لا تقوم على أسسِ الأهلية الاستحقاقية القويمة وإنما على مبدأ القوة والنفوذ الماليين والاجتماعيين، وبهذا تتحول المرجعية من أهلية وريادة وتطوّع ورعاية وخدمة إلى زعامة وتسلُّط واستئثار وتفرُّد.. كذلك من إشكاليات سائر أنواع المرجعيات: تداخلها فيما بينها بما لا ينسجم مع المرجع وقدراته وحقيقة تمثيله ومقامه، أي: عدم الكفاءة وفقدان التخصص؛ وهذا ما يجب الانتباه إليه وتفاديه. وأما بلاء كافة المرجعيات، أو الخطر المهدِّد لكمالها ولدورها الإيجابي الكبير، فهو الرؤية الفردية الضيقة للأمور، أو الاستفراد بالقرار، أو تسخير الأمور لمصالح شخصية.. أما مستويات المرجعيات فأهمها ما ينحصر بدرجاتها، أي مرجع من الدرجة الأولى أو المرجع الأول، ومرجع من الدرجة الثانية أو الثالثة؛ وأهمها أيضاً: ما يخصصها، أي مرجعية توجيهية، أو إرشادية، أو قيادية، أو تعليمية، أو إفتائية.. إذاً، هذه هي المرجعية بحقيقتها العظيمة والكبيرة وبانحرافاتها أو بتموّتاتها، والمطلوب: بناء المرجعية السليمة في النفس والآخَر، أي على صعيد الفرد والمجتمع، وبالمجالات العامة والخاصة. علينا جميعاً العمل؛ والمسؤولية ملقاة على عاتق الجميع! وليس لأحد أن يقول: لا أستطيع فِعل شيء. كما أنه لا مبرر لليأس، فلا يأس مع الحياة؛ والأمانة أمانتنا، والقضية قضيتنا، ولا خيار أمامنا سوى المضي بمسيرة الإصلاح والتطوير.. وبالختام، وبعبارة واحدة: لا مُقدَّس إلا الله والوطن! لا مُقدَّس إلا المطلق! فكلُّ الناسِ عبادُ الله، والوطن للجميع؛ والحريةُ سمةُ الإنسانيةِ العظمى، وكرامةُ الإنسانِ من كرامة الله والوطن! أخيراً، أستغفر الله لي ولكم ــ يا خير أهل وأكرم أحباب ــ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. سام علي |