spacer spacer
النصيرية

English

 
الأزمة في سوريا والجامعة العربية طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سام محمد الحامد علي   
19/11/2011

الأزمة في سوريا والموقف السوري من قرار الجامعة العربية 

دارتْ نقاشاتٌ كثيرةٌ حول مدى عِلم "الحكومة السورية" بتفاصيل "المرحلة الأخيرة" من "المؤامرة عليها" (باعتبار أن سوريا بلد يتعرّض للتآمر منذ استقلاله وباعتبار أن التدخل الخارجي في الأزمة المتفاقمة في سوريا يمثِّل خير دليل وأوضح صورة لذاك التآمر السافر)، وتساءل الكثير من الناس عن التحضيرات التي اتخذتها "الحكومة السورية" لمواجهة هذا "الفصل الجديد من التآمر"؛ وعَمَّ انتقادُ السوريين، كُلٌّ من جانبه، لخطة "معالجة الأزمة" ولشخصيات المسؤولين عن إدارتها وأساليب وأدوات تنفيذها، وهو إذا ما جُمع قد يُشكِّل معظم تفاصيل صورة العلاج والتعاطي مع الأزمة!

كذلك اختلف بعضُ السوريين فيما بينهم حول "توصيف الأزمة" و "تشخيصها" و "السُّبل المُثلى للتعاطي معها ومعالجتها"، فكان الخلاف ــ بجوهره ــ محصوراً بين جدوى خطوات الإصلاح المتَّخَذة (عُمقاً وحَجماً وسرعةً)، إذ لم يُساور أحداً من الناسِ شكٌّ بأنه ثَمَّ "فساد" و "ركود" و "أخطاء" و "أغلاط" في سوريا، ويجب معالجتها بشكل جذري وعلى جناح السرعة، وأنَّ شرارة الأزمة ــ الحقيقية الأولى ــ ليست الكمُّ التراكمي مِن كل ذلك بقدْر ما هي توفُّر مناخاتٍ ملائمةً، إقليمية ودولية، مُشجِّعة وداعمة لبدء التحرُّك!
وبمعنى آخَر:
اتفق السوريون على أن "الحِراك الشعبي السلمي الحضاري المحدود" الذي شهدتْهُ بعضُ أوساط الثقافة وبعض المجتمعات السورية هو حِراك نقيٌّ وضروري، وأن سلبيات التعاطي مع بعض القضايا والإشكاليات المحدودة والضيقة وفَّرت المناخ المناسب لدخول "الإرادات الخارجية" و "العناصر الغريبة عن جوهر الحِراك السوري المشهود" (ما سُمِّي بالمندسِّين آنذاك)، كالذي حصل في درعا بدايةً وفي غيرها تباعاً!
أيْ:
لا يمكن الفصل بين ما يجري في الداخل السوري عن "مطامع دول الاستعمار القديم الحديث"، إذ التغذية والتغطية واضحتان بشكل جلي، إلا أن ليس كل ما يجري في سوريا هو صناعة خارجية، فمن جهة: هناك معارضة شريفة وتوْقٌ للتغيير السلمي الديمقراطي الشرعي والقانوني، وبهدوءٍ وتدرُّج، وهناك ــ من جهة أُخرى ــ إرهاصاتُ ومخلَّفاتُ الماضي القريب والبعيد التي نَمَتْ وتطوَّرت فأنتجتْ عصبيَّة طائفية وتخلُّفاً حضارياً (إنسانياً) فائق الخطورة!
لكن ما لم يدر في خِلد أحد من السوريين هو أن تُحارَب سوريا بهذا الشكل العنيف والسافر من قِبل "أنظمة عربية" طالما حظت باحترام "الحكومة السورية" الشقيقة لها؛ أنظمةٌ فيها من عيوب الذات ما يُفترَض أن يَكمَّ الأفواه عما هو أصلح وأجمل وأبقى (كما يقول المثل الشعبي: إنْ كان بيتك مِن زجاج فلا ترمي الناس بالحجارة!)، فالأنظمة المَلَكية المفتقِرة لأبسط أنواع "الحياة السياسية" (انتخاباً وممارسةً)، والمُقيِّدة لكثير من مناحي الحياة الإنسانية الطبيعية (الحريات والحقوق الإنسانية)، والتي لم يعد لها مثيل في سائر أرجاء العالَم، والأنظمة التي ترضح لإملاءاتها وإملاءات السيد المُتصهين (ما يُسمَّى: "إسرائيل") وهما السيدان الأميركي والأوروبي، لا يحق لها التنظير على الآخرين أو مطالبتهم بما تفتقد هي ذاتها!
لقد انبثق "حزب البعث العربي الاشتراكي" الحاكم في سوريا من رحم الأمة العربية وطموحاتها وأحلامها، فنادى بما تُنادي به سائرُ الضمائر العربية، من وحدة عربية (تحفظ الخصوصية والسيادة لكل بلد وقُطْر)، إلى حرية (سياسية واجتماعية وفكرية ودينية)، إلى اشتراكية (تكامل وتكافل اقتصاديين بديعين)، وسعى سعيه لتحقيق أهدافه الداخلية والخارجية بكل عزم ونقاء، فهَزَّ بصوته الحُر وأفكاره النيّرة عروش الظُّلم والاستبداد وكيانات الجهل والظلام، فحاربته تلك الأنظمة والعروش، والحركات والأحزاب، المتقنِّعة باسم الدين والعروبة، حرباً علنية وغير علنية، مستمرة ومُتخامدة، فسُلِّط عليه، وزُرع فيه، مَن أساء لاسمه وخالف مبادئه وحَرَفَ نهجَهُ، فكان ما كان من ترهُّل وتآكل وزيغ وانحراف وضعف، وصار العربُ عندها عرب الضعف والتخاذل، إذ غَيَّبتْ سلطاتُ الأمرِ الواقع كُلَّ إرادةٍ حُرةٍ فيهم إلا ما رحم ربي، فنامت العربيةُ حين كان يجب أن تبقى متيقِّظة، فهُضِمتْ الحقوق العربية وسُلبتْ!
وصحيح أن الشعوب العربية كانت على مَرِّ الزمان أبيّة، عزيزة، إذ ذلك جزء من أصالتها وكينونتها، إلا أنها وهنتْ بعضَ الوهن في كبوات عديدة، بجزئها لا كُلّها، وفي تلك الفترات مُنيت بـ: "لا وعيها" وبتاريخها أبشع ما يمكن أنْ تُمنى به أمة، فتأثر من جراء ذلك كثيرٌ من أبنائها بوعيهم (ذهنيتهم) وسلوكهم (أعمالهم) أبشع تأثُّر!
وبذات السياق المتصل (التاريخي: الصراع بين المبادئ والمذاهب) كان الفصل الأخير من التآمر على ما تبقى من قلاع العرب: سوريا!
فهل وعى كُلُّ السوريين حقيقة ما يجري على أرضهم اليوم، أم أن بعضهم ما زال يجهل اتصال أحداث الداخل بالخارج (خيوط المؤامرة)؟
هل القضية مجرّد قضية "نظام سياسي" حاكم، أو شخص رئيس، أو عائلة معينة، أو طائفة محددة؟
إنها إرادة قتْل سوريا "البداعة"، سوريا التاريخ، سوريا الحضارة، سوريا الروح، سوريا الأصالة، سوريا التنوّع، سوريا الضمير والضمان..
لا ننكر أنَّ الإصلاح ألح حاجة لسوريا وأضر وأهم وأخطر، وأن التغيير والتحوّل السياسيين (في إطار الإصلاح والتطوير) هما غد سوريا الوحيد الذي لا مَفرَّ منه ولا مَهرب، والذي هو الغد الذي يُنادي به كل السوريين ويحلمون، ورئيسهم بشار في مقدمتهم، لكن الإصلاح والتغيير لا يكون بالهدم والتنكُّر للتاريخ، ولا بالتلفيق والتزوير، وإنما بالمحافظة على المُنجَز والانتقال نحو الأفضل!
نزل السوريون، كُل السوريين (بالأغلبية المشارِكة والنموذجية الطيفية المتفاعلة المتواجدة)، إلى ساحات الوطن ليُعبِّروا عن موقفهم الأصيل الشريف مما يُحاك لبلدهم، وليكونوا بأصالتهم وشفافيتهم وصدقهم وعزمهم ووعيهم أنموذج الشعب العريق العظيم، فكانت الملحمة السورية البديعة، المتجددة على مرّ الزمان!
اشتكل على البعض عدم تصعيد "القيادة السياسية السورية" بعد هذا الزخم الشعبي الحاضن لها، وتلك القوى الذاتية لسوريا العز والمنعة، ودعوتها "الجامعة العربية" لعقد قمة طارئة بعد كل ما فعلتْه تلك الجامعة معها!
اشتكل على كُلِّ مَن نسي أن سوريا بلد عريق بسياسته المتوازنة (غير القائمة على المواقف الآنية أو المتبدِّلة)..
سوريا البلد العريق بشعبه، والذي يهتم بالشعوب والجماهير التي هي مصدر كل شرعية!
سوريا التي تتخذ قراراتها بناء على مصلحة شعبها والشعب العربي والمصالح الإسلامية ومصالح الأصدقاء (تحالفات سوريا المبدئية)..
لم تدعُ سوريا إلى قمة عربية طارئة لتفعل ما عليها وحسب، أو تستفيد من الوقت بانتظار حل للموقف العربي المنبوذ (لا حل لأزمتها عربياً إذ هي قادرة على الحل بمفردها إذا بقي الإخوان العرب بعيدين عن التدخل غير المتوازن بشؤون الداخل السوري)، أو تدفع بجامعة الدول العربية (المؤسسة السياسية التي تخضع لإملاءات غير عربية لا للشعوب والبلدان العربية بحد ذاتها) إلى المضي قُدماً بالمشروع الصهيوأميركي وأوروبي بما يخدم تلك الأنظمة لا الشعوب فتفرض على سوريا الانسحاب من ذاك التجمع المشؤوم مؤقَّتاً وبشكل مبدئي حتى يأتي ساسة تخدم قضايا العرب ومصالحها، وإنما (قامت القيادة السورية بالدعوة لقمة عربية طارئة) وفاءً لحق الشعوب العربية عليها، وأولها شعبها العربي السوري العظيم، الذي أعطاها كُلَّ زخم مطلوب للقيام بما يجب القيام به، وهو: المحافظة على دور سوريا وتاريخ سوريا، فسوريا هي: قلب العروبة النابض..
(سوريا وفية للتاريخ والشعوب والقيم والمبادئ ولا تتأثر بأشخاص يأتون إلى سُدة الحُكم ثم يذهبون بأبشع مما يأتون، أو يقررون بجهلٍ وتهوّر ثم يتراجعون)
سوريا تريد لمّ الشمل العربي وحماية الجامعة العربية من محاولات السرقة التي تقوم بها قوى غير عربية، فهل من عربي يستطيع أن يكون غير سوري (بالهوى والمنطق والنهج)؟
إذاً، سوريا تفعل للتاريخ والشعب ما تفعل، سُرَّ مَن سُرَّ، وكَرِه مَن كره!
ولهذا، وبهذا، نقول أبداً:
عاشتْ سوريا..
عاشتْ سوريا..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


كتبه:
سام علي

 
< السابق   التالى >
 

مواضيع ذات صلة

آخر تحديث للموقع

 February 6, 2012, 6:00 pm 
النصيرية

spacer
Untitled 1