الغوغائية والهمجية إلى أين؟
إذا كان للمستحيل فرصة للحدوث أو الوجود، فإننا سنفترض أننا قَبِلْنَا بما يلي:1- حدثتْ معظمُ مصائب الدنيا جراء الابتعاد عن الدين..2- لم يكن لسوريا، شعباً وأرضاً، قيمة وجودية ذاتية تُذكر لولا دخول الإسلام عليها واحتضانها للإمبراطورية الإسلامية الأولى.. (تشرَّف الدم السوري بدخول دم بعض الأعراب عليه كما تبارك التراب السوري بوطأة أقدام أولئك الصعاليك أصحاب ذاك الدم العجيب!)3- لم يكن ثمة مشكلة اجتماعية أو سياسية في سوريا قبل ولادة "حزب البعث العربي الاشتراكي" وظهور "القيادات السورية" الحالية والسالفة، وأن الحُكم المذكور لم يُقدِّم للشعب العربي بما فيه السوري أي مُنجَز يستحق الذِّكر بل العكس تماماً.. (خدمة القضايا العربية ودعم حركات المقاومة وانتصارات حرب التحرير وبناء سوريا الحديثة محض كذب وافتراء، وكل ما نراه من قوة ومنعة لسوريا وخط المقاومة والبنى التحتية للوطن والجيش هو من صنع الجن والعفاريت، فشبكات الهاتف والكهرباء والماء والجسور والطرقات وخدمات الطبابة والتعليم المجانيين ودعم الخبز والمواد والاحتياجات الأساسية دون المستوى ومن صنع مَن لا نعلم!)4- لم يكن ثمة طائفية في البلاد الإسلامية عموماً، وسوريا خصوصاً، قبل هذه الحقبة، إذ لم تنشأ الطائفية إلا بُعيد سيطرة طائفة معيّنة على الحُكم في سوريا.. (لم يكن في التاريخ شخص اسمه "ابن تيمية"، ولا صراعات وحروب مخزية ومُعيبة!)5- كانت الخلافة الإسلامية "العثمانية" أنموذج "الدولة الإسلامية" الحقة، وكان السلاطين العثمانيون غاية في الوداعة والنبل، وكانوا حضاريين بممارسة السلطة تماماً كما تولُّوها بحضارة وجدارة وحق، وأن المجازر التي لطَّختْ تاريخَ البشرية والمنطقة بحق الأرمن والأكراد والعرب وغيرهم من الأعراق، بمَن فيهم المسلمون والمسيحيون فضلاً عن الأقليات الأخرى، وتلقيب سلاطينها بـ: "السفاح" وما شابه، كان محض افتراء وتجنّي..6- كانت فرنسا ودول الاستعمار القديم الحديث غاية في الإنسانية والرقي، وأنهم قسَّموا المنطقة مع "المارد العثماني الهرم" على قاعدة الحق والخير لشعوب تلك المنطقة، غير آبهين بنتائج حروبهم العالمية وموازين قواهم الذاتية ولا بمصلحةٍ تتعارض مع مصالح تلك الشعوب إذ هم الخير كله والحق كله، وأن كلَّ ما نُسب إليهم من مجازر وفِتن مجافٍ للحقيقة ومجحف بحقهم بما في ذلك: سلخ لواء اسكندرون عن سوريا واللعب على ذات الشريط الساحلي للبحر الأبيض المتوسط وخصوصاً "دولة لبنان" بتركيبتها البشرية ونظام الحُكم الذي رُسِمَ لها، ونشوء الكيان المتأسرل الغاصب في فلسطين المحتلة وتتمة الخطة في هلال البحر الأبيض! (سِرُّ ما يُسمَّى "الأمم المتحدة"، المنظمة التي قامت على موازين وقواعد لا علاقة لها بحقوق الشعوب وكرامتها وإنما بنتائج الحروب وقوة الدول!)7- لم يكن ثمة مؤامرة في تقسيم سوريا الحالية إلى دويلات مذهبية (مطلع القرن الماضي)، الأمر الذي يُعمل على إعادة إنتاجه حالياً بمعيَّة متظاهري بلدنا السلميين ونزاهتهم، كما لم يكن ثمة مؤامرة بتقسيم سوريا الطبيعية إلى دول!8- ابتدأ الربيع العربي منذ أن ظهرت "الحركات الإسلامية" في المنطقة لا منذ أن ظهر "المثقفون" و "الأحزاب العلمانية"، وأن معاناة العرب كانت من جراء تضييق الأنظمة الحاكمة على "الحركات الإسلامية"، طبعاً بعد أن نستثني دول الخليج النموذج الرائع لسلطة "رجال الدين"، أو "السلفيين"، أو "مَن يدور في فلكهم من الأعراب"، فهُم ــ ما شاء الله ــ الصورة المُثلى للديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والازدهار والرقي الإنسانيين!9- كل ما جرى في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا واحد، وهو ثورة الشعوب البريئة العفوية على حُكامها الطغاة، فليس ثمة مؤامرات ولا تدخلات خارجية، وليس ثمة "أقنعة" و "أدوات"، فأن تتسلم المناصِبَ والقيادات "الأحزابُ الدينية" التي تُربّى وتُنشَّأ على عين الغرب لا سيما البريطاني منه والألماني (قبل الأميركي) لَهو أمْر طبيعي وإنْ لم يُشاركوا في الحِراك الشعبي الأول (كما ثبت في مصر)..10- ليس ثمَّة تبدُّلات استراتيجية، لا فيما يخص دور قطر البديل عن دور دولة خليجية أخرى والممثل لكيان بشري سياسي جديد يُحقق المصالح الغربية بلون ولسان العرب بعد أن أثبتت إسرائيل فشلها في ذلك وبعد أن انتهى دورها المرحلي كحاملة طائرات غربية وراعية للمصالح الأجنبية، ولا فيما يخص الصراع الأجنبي الأجنبي: الغربي الغربي، والغربي الشرقي، والشرقي الشرقي، وأن ما يُقال عن دويلة حجازية جديدة تكون للمسلمين كحاضرة الفاتيكان للكاثوليك من المسيحيين تقابل دويلة إسرائيل المُعدَّلة، بتقسيمات وترتيبات اقتصادية وبشرية جديدة بما في ذلك ترجيح كفة الصراع العالمي على النفط (لا سيما حول خطوط نقل الغاز) والإقليمي على الماء (لا سيما ما يخص إسرائيل البنت المدللة وتركيا الحليف الاستراتيجي) هو محض توهُّم وزيف تخيُّلات!11- أخيراً (ولو شئتُ أن أتابع لَما انتهيتُ)، ليس ثمة مؤامرة على الإسلام بتظهير الطبقة المحسوبة عليه ظلماً والمسيئة له بالحقيقة، وبسط سيطرتها على كامل أراضيه وأفراده، كحالة شعبية وقيادة مرحلية، تُجْهِز عليه وعلى بلاده من الداخل وإلى الأبد. [محض صدفة أن تُخترَع الحركات الإسلامية وتوجَّه للقتال بالنيابة كما حصل في أفغانستان ومحاربة طالبان والقاعدة لروسيا نيابة عن الغرب (دول الناتو وحلفائها)، ومحض صدفة أن توجَّه طاقات طالبان والقاعدة لابتزاز دول المنطقة، بدءاً من الدول الحليفة كالسعودية وانتهاء بليبيا الجريحة، ومحض صدفة أنْ يَظهر الذبحُ على يدي صنيعة الأميركيين (متأسلمي تورا بورا) في العراق المُدمَّر، الذبح الطائفي السياسي البغيض (شيعة وموالي لإيران في العراق لينتقل بعدها إلى سوريا والعلويين)]!
أما إنْ لم يكن للمستحيل فرصة في الوجود أو الحدوث، وهو الأمر الطبيعي والحتمي، فلا بُدَّ من التأكيد حينها على ما يلي:أ ـ لا تقبل أية شريحة من شرائح الشعب السوري، أو باقة من باقات زهوره (الأطياف المجتمعة في مجتمع واحد)، أن تُلغي شريحة أو طيفاً أو مُكوِّناً من مكونات هذا الشعب العريق العظيم، أو أنْ تلعب بخصوصيته الإنسانية الفريدة (على مستوى الفرد أو الجماعة أو المجتمعات). ب ـ لا يقبل "الشعب السوري" أن يتحدَّث أحدٌ باسمه دون تفويض أو تمثيل رسمي وقانوني، فكل مَن يقول "الشعب السوري" يريد كذا وكذا، أو: قال كذا وكذا، فهو مُدَّعٍ كاذب ما لم يأتِ بالبرهان على تفويض الشعب له، فالشعب يقول كلمتَه بذاته لا عبر مفوَّضين وممثِّلين! (ما يُقال عن وجوب إعطاء الحرية لـ: "البازارات السياسية" بالعمل والفاعلية في المجتمع السوري تحت ما يُسمى "حرية العمل السياسي والشعبي"، لاختلاق تظاهرات واعتصامات بقوة المال وهيمنة الدين، له هدف وحيد هو تعريض "سوريا" لأخطار الفوضى والمجهول، واستباحتها لصالح أعدائها أبشع وأغبى استباحة، فالذي يُريد العملَ السياسيَّ عليه بالعمل الوطني المؤسساتي القانوني، وبالجدِّ والنضال، لا بمراهنات وارتهانات للخارج!)ج ـ لا يقبل السوريون بـ: "قامة سياسية" تُقدِّم أوراق اعتمادها لخصوم الوطن وأعدائه..د ـ لا يقبل السوريون بـ: "مجموعة سياسية" صُنعتْ في الخارج وتعمل لتحقيق أجندة غير وطنية (خارجية)، كما لا يقبلون بإعادةِ تأهيلٍ وطنية من أُناس يحتاجون إلى التذكير بمعاني الوطن والوطنية.. (يعتبر "صبيةُ السياسةِ": المتآمرون على الوطن: كلَّ مَن يخالفهم الرأي والرؤية بحاجة إلى إعادة تأهيل، بمعنى: معظم الشعب السوري يحتاج إلى توعية وإعادة تأهيل!)هـ ـ يثق السوريون بأنفسهم، ويُقدِّرون ــ تماماً ــ حجم إمكاناتهم، وهم بذلك لا يحتاجون إلى غريب (غير سوري) أو مُغترب (سوري لا ينتمي للوطن انتماءً صافياً وتاماً) يتجاوز بهم أزمتهم أو ينتشلهم من مأزقهم أو يخلِّصهم من مشاكلهم..و ـ يُعطي السوريون "العالَم العربي" درساً جديداً في "العمل العربي المشترك" أو اللجوء إلى "الحضن العربي" في الأزمات، وهم بذلك يُقدِّمون النموذج العملي (التطبيقي) لحل الأزمات العربية الداخلية (لكل بلد) والخارجية (البينية)..ز ـ لا يستكين السوريون، ولا يضعفون، أمام أخطر التحديات وأجلّها، بل يزدادون قوة ومناعة.. (ليس ثَمَّ شعب أصلب من الشعب السوري في صموده على درب الحق)ح ـ لم تعرف "سوريا" الهزيمة الكاملة يوماً، ولا الانكسار، فإنْ كان مِن ليلٍ ينتظرها ففجرها القريب يتوق للانبجاس!وبناءً عليه،ــ لا أمل ببقاء بؤر التوتر والفوضى كما لا أمل للفساد بالاستمرار!ــ مَن ابتدأ طريقه السياسي المشبوه باختلاق الأحداث والكذب والخديعة، ثم باستخدام السلاح والترهيب وفرض الإرادات، وبامتطاء مطالب وتحركات شعبية حقة وعزيزة، لا مكان له في الحياة السياسية السورية..ــ مَن انتهج التخريب والتدمير وإشاعة الفتن والقلاقل لا يحق له المناداة بالقِيم الإنسانية ولا ترديد الشعارات الوطنية (كـ: "الحرية" وغيرها)، ففاقد الضمير: الإرهابي في فِكره والغوغائي في فِعله لا يمكن له أن يكون وطنياً أو مُصلِحاً أو خَيِّراً..ــ لا مكان للإقصائيين بين الشعب السوري كما لا عيش للإرهاب في المناخ السوري البديع..ــ مَن رفع العَلم (*) الذي فرضته فرنسا المستعمِرة لسوريا بديلاً عن العَلم السوري الحالي الذي صنعه وارتضاه السوريون أنفسهم، وفَرَضَ بذلك تبعيَّتَه الذليلة لأسياده المستعمرين على أحرار الوطن الحر، لا دور له في بناء الوطن، إذ لا يمكن لجاهل أو تابع أن يكون شريكاً في صنع الأمجاد وبناء الأوطان..ــ العنف منبوذٌ أبداً والحوار مطلوبٌ أبداً؛ لكن، ملاحقة المجرمين وحماية الدولة والمواطنين لا تدخلان بمعنى العنف، وإنما يكون العنف من متظاهر مُخرِّب أو مجرم قاتل، مع التأكيد أن كل فرد من أبناء هذا الوطن الحبيب خاضع للمساءلة والمحاسبة، سواء أكان مدنياً أو عسكرياً، وسيكون ذلك بتمامه بكل تأكيد..ــ ثَمَّ خلل متزايد في التعاطي مع الأزمة المتفاقمة التي تشهدها البلاد، ويجب أنْ يُعالَج هذا الأمر بالسرعة القصوى! (لا ندري ــ حقيقةً ــ ما هي الموازين والمعايير والمقاييس لاختيار الشخصيات المساهمة في الحَلِّ! ولماذا لم تُجدِ الحلول المتبعة حتى الآن!)ــ الإصلاح السياسي يبدأ ببيئة قانونية تشريعية مناسبة وبانتخابات حرة ونزيهة.. وهذا ما يُعمل عليه، ومَن يُعرقِل هذه العملية ويُحارب هذا التوجّه هو متآمر على الوطن سواء أكان أداة غربية بصورة مواطن معارض في الخارج أو كان ضمن صفوف القيادة والفاعلية السياسية أو العسكرية أو الأمنية أو الشعبية.. فما يصدر عن الشيء خير دليل عليه!ــ كل المواطنين معنيون بعملية الإصلاح والتطوير وخدمة الوطن، المغتربين منهم والمُقيمين، والرعاة منهم والرعية؛ وبذلك: الانطلاق يبدأ من الذات، والمسؤولية ملقاة على كاهل الجميع!ــ التغيير السياسي، السلمي، الشعبي، الديمقراطي، المؤسساتي، القانوني، التدريجي، الحر، قائم ومُستَكمَل، ولا رجعة عن الإصلاحات بل مراقبة التنفيذ ــ سرعةً وعُمقاً وجودةً ــ، والسير نحو المزيد..ــ تُسأل الدولة عن برامجها وتحاسَب على التقصير كما تُسأل الشخصيات والأفراد ويُحاسَبوا..ــ لا أحد فوق القانون، والقانون للجميع..
عاشت سوريا الحضارة والعز والشموخ، وعاش أبناؤها البررة الأخيار..
سام علي
(*)في 14 أيار من عام 1930م أصدر المفوَّض السامي للجمهورية الفرنسية في سورية ولبنان المسيو «هنري بونسو» قراراً برقم 3111 يقضي بوضع دستور دولة سوريا، وجاء في المادة الرابعة من الباب الأول ما يلي:«يكون العلم السوري على الشكل الآتي: طوله ضعف عرضه، ويقسم إلى ثلاثة ألوان متساوية متوازية، أعلاها الأخضر فالأبيض فالأسود، على أن يحتوي القسم الأبيض منها في خط مستقيم واحد على ثلاثة كواكب حمراء ذات خمسة أشعة».وقد نُشر هذا الدستور في الجريدة الرسمية العدد 12 ملحق، تاريخ: 1932/2/30، ورُفع العلم لأول مرة في سماء سورية في 12 حزيران عام 1932م.