spacer spacer
النصيرية

English

 
السجود طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سام محمد الحامد علي   
09/10/2008

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد!
 
راودني، كما راود غيري، سؤال النفس: كيف سجد الملائكة لآدم؛ وخطر على بالي، كما خطر على بال غيري، أن السجود يجب أن لا يكون إلا لله، ولو بأي نوع من الأنواع، أو بأية صفة من الصفات، أو بأية طريقة من الطرق، أو بأي شكل من الأشكال..
ولم يكن ليخفى عليَّ، ولا على غيري، وجوب الإقرار بأن "السجود" ليس صنفاً واحداً.. وهذا ما توجبه اللغة ويفرضه الشرع!
ولكنْ، بقي في قلبي، أو في قلب غيري، تمنٍّ لو كان السجود خاصاً بالله وحده كما الألوهة خاصة به وحده..
وعندما فكرتُ في سبب تردد هذه الخواطر والمراودات على نفسي ووجدتُه يعود إلى ما نحمل من صفات بشرية تكوينية وخبرات إنسانية تراكمية، مسَّها الشيطانُ بجانب، أو بجوانب، رأيتُ أن أكتب مقالاً يُلخِّص معنى السجود الحقيقي، وأنواعه ومقاماته، مما يسد على إبليس أبوابَ قلوبنا ونوافذَ أنفسنا، الضعيفةِ.. فالذي استهجن ذاك السجود بحقيقته، لا مجرد السجود لمَن اعتقد أنه دونه، هو عدو الله وعدونا إبليسُ[1]!

وأبدأ على خيرة الله، وهو الموفِّق والهادي، وبه نعتصم.

 

السجود في اللغة 

سَجَدَ لغةً: انحنى وتطامن إلى الأرض[2]، وأسجد الرجلُ: طأطأَ رأسه وانحنى؛ وسَجَدَ: خضع، ومنه سجود الصلاة وهو وضع الجبهة على الأرض، ولا خضوع أعظم منه. ونخلة ساجدة إذا أمالها حملُها. وسجود الموات (الجماد) محمله في القرآن: طاعته لِما سُخِّر له.[3]

 

السجود في القرآن الكريم 

قال تعالى:
"ولله يسجد مَن في السموات والأرض طوعاً أو كَرهاً".[4]
ومعناه: يسجد لله مَن في السموات والأرض بما يمثله السجود من الخضوع المطلق لله على مستوى المظهر في تعفير الجبهة في الأرض، أو في الانقياد الإرادي لأوامر الله ونواهيه؛ أو في استجابة الموجودات للنظام الكوني الذي يحكمها في الأرض أو في السماء. إنه السجود الذي ينطلق من مبدأ الخضوع، ولكنه يتنوَّع في مظاهره وأشكاله. "طوعاً أو كَرهاً": لدى المخلوقات التي تملك إرادة تتحرك من خلالها في الحياة، أو لدى الموجودات التي لا تملك الحس والعقل والإرادة، فتسير طِبقاً للسنن الكونية التي أودعها الله فيها بحكمته[5].[6]
 
وقال تعالى في موضع آخر من كتابه العزيز:
"وخروا له سُجَّداً".[7]
له: ليوسف؛ وسُجَّداً: سجود تحية، وهو انحناء كالركوع، ولم يكن خروراً على الأرض.[8] ومعنى الخرور في هذه الآية المرور لا السقوط والوقوع. قاله الأخفش.[9]
 
وقال تعالى:
"وادخلوا الباب سُجَّداً".[10]
والمعنى: شكراً لله[11]؛ أُمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله وتواضعاً.[12] أي: ادخلوا الباب، فإذا دخلتموه فاسجدوا لله شكراً. [13

 

السجود العرفاني 

السجدة عند أهل المعرفة وأصحاب القلوب هي إغماض العين عن الأغيار، والرحيل عن جميع التكثرات حتى كثرة الأسماء والصفات، والفناء في حضرة الذات.[14]

 

خلاصة 

يتخذ فِعلُ "سَجَدَ" مستويين دلاليين في المعنى، مستوى شكلي ومستوى ضمني. فأما الشكلي فيعبِّر عن التطامن وهو الانخفاض، من طأطأة الرأس والانحناء إلى وضع الجبهة على الأرض. وأما المستوى الضمني فيعبِّر عن الخضوع، من التواضع والسَّكن إلى الانقياد.
ويكون السجود تاماً ومطلقاً عندما يكون لله، بمعنى: خضوع وانقياد وعبادة وشكر.. ويكون مجازاً استثنائياً محدوداً عندما يكون للعبد، بمعنى: تحية وتواضع..
 
وبهذا التقرير أختم، والحمد لله من قبل ومن بعد..
 
 
كتبه
سام محمد الحامد علي
www.safwaweb.com
www.alaweenonline.com
www.alaween.net.com
www.ftatali.com
www.freemoslem.com


الحواشي:

[1] انظر بحث: الشيطان، سام محمد الحامد علي.
[2] تطامن من طأمن، ويعني: انخفض؛ وطأمن ظهره: خفضه وحناه. ومنه: طمأن، فمصدر الكل طمن. ويعني أيضاً: سكَّن، ومنه الطمأنينة. [المنجد في اللغة]
[3] لسان العرب، ابن منظور، مادة: سجد. [انظر طبعة دار المعارف، مج3، ج22، ص1941-1942]
[4] سورة الرعد، 15.
[5] تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، دار الملاك، ط2، مج13، ص33-34.
[انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، مؤسسة الأعلمي،ط1، مج11، ج13، ص323]
[6] هناك ما يناظر شمولية "السجود" لدى سائر المخلوقات في الذكر الحكيم! مثل: القنوت والتسبيح والحمد والسؤال. قال تعالى في سورة البقرة الآية 116: "كل له قانتون". وقال في سورة الإسراء الآية 44: " وإنْ من شيء إلا يسبح بحمده". وقال في سورة الرحمن الآية 29: "يسأله مَن في السماوات والأرض". وقال في سورة النحل الآية 49: "ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض".
[7] سورة يوسف، 100.
[8]الموسوعة الصوفية، د. عبد المنعم الحفني، مكتبة مدبولي، ط5، ص1027.
[9]لسان العرب، مج3، ج22، ص1942.
[10]سورة البقرة، 58.
[11] تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، دار الملاك، ط2، مج2، ص58. انظر: تفسير القرآن العظيم، الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، دار التراث العربي، مج1، ص98.
[12] الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، الإمام محمود بن عمر الزمخشري، دار الكتاب العربي، مج1، ص142.
[13]مجمع البيان في تفسير القرآن، أمين الإسلام: أبو علي الفضل الحسن الطبرسي، منشورات الأعلمي، ط2، مج1، ج1، ص229.
[14]سر الصلاة، أو: صلاة العارفين، الإمام الخميني، دار التعارف للمطبوعات، ط3، ص162.

 
< السابق   التالى >
 

مواضيع ذات صلة

آخر تحديث للموقع

 January 23, 2012, 1:01 am 
النصيرية

spacer
Untitled 1

تسمية العلويين | أصل العلويين | علويو الأمس | علويو اليوم | تعريف العلويين | من هم العلويون الأحرار | أهداف العلويين الأحرار

 

graphic world

Graphic World. Web Solutions and development