spacer spacer
النصيرية

English

 
أئمة ووارثون طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سام محمد الحامد علي   
06/05/2009

أئمة ووارثون 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمةً للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد!
لما رأيتُ التوهُّمَ والزيغَ قد أخذ بالكثير من أهل زماني إلى مهاوي الضلال والباطل، وتحققتُ قولَ اللهِ "وذكِّرْ فإن الذكرى تنفعُ المؤمنين[1]"[2] وقوله: "يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون كَبُرَ مقتاً عند الله أنْ تقولوا ما لا تفعلون[3]"[4]، عمدتُ إلى كتابة هذه المقالة الهادية الجامعة (بإذن الله)، مستهلها بقول أمير المؤمنين ــ ع ــ:
لا عِلم كالتفكر[5].[6]

وبالتساؤل الكبير، الجدير بكل اهتمام:
إذا كان اللهُ الأحدُ الصمدُ، الذي: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ربَّنا وإلهنا نحن معشر المسلمين (جميعاً)، ونبيُّنا محمداً، وكتابُنا القرآنَ.. فلماذا نتفرَّق شِيعاً، كل حزب بما لديهم فرحون؟![7]
بمعنى: لماذا نتفرَّق فرقاً شتى، متباعدة ومتباغضة؛ يُعادي بعضُنا الآخَرَ؟!
ولماذا يُعادي بعضُ أبناء الطائفة الواحدة إخوانَهم الآخرين من ذات الطائفة لا لشيء وإنما لانفتاحهم على الآخَر، وليونتهم واعتدالهم، فيفشل الجميعُ وتذهب ريحَهم؟![8]
ألا نملك في تاريخنا، وموروثنا الديني والثقافي، ما يقوينا على حل مشاكلنا وخلافاتنا مهما كبُرتْ وعظُمتْ، وما يعلِّمنا فن الحياة الآمنة الحرة الكريمة الزاهرة السعيدة، القائمة على الحب والتنوع فالغنى والعطاء؟!
وللمثال، ولغاية البحث التي أُنشئ لأجلها، أقول:
ألم يُجمِع المسلمون ــ لو نظرياً أو نسبياً ــ على حب وولاية سبط رسول الله: الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب ــ ع ــ وابن سبطه الثاني الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بـ: زين العابدين (ع)؟ ألم يكن ذينك الإمامان العادلان، القائمان بأمر الله ورسوله، اللذين جمع اللهُ بهما دينه[9] وحفظه، صمامَ أمانِ الأمة، وخيرَ مثالٍ للصحابة والتابعين في الشرف والعمل؛ فلماذا لا يجمعانا في يومنا هذا ــ إذن ــ، ولماذا لا يحفظانا؛ أو: لماذا لا نقتدي بهما حق الاقتداء؟!
أما لماذا الحسن وزين العابدين (ع) دون غيرهما فلأجل الخصوصية الكبرى لكل منهما كإمام ووارث؛ وهذا ما سيتبين ويتضح ويثبت في هذا البحث ــ إنْ شاء الله ــ.

 

الإمام الحسن بن علي (ع)
حبيب حبيب رب العالمين (ص)[10]، وأشبه الخلق بسيد الخلق (ص)[11]، والسبط الأكبر له[12]، وسيد شباب أهل الجنة[13]، وابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، والوارث لهما.[14] 

قال الإمام الحافظ الذهبي في ترجمة إمام المسلمين الحسن بن علي ــ ع ــ:
كان هذا الإمام سيداً، وسيماً، جميلاً، عاقلاً، رزيناً، جواداً، خيِّراً، ديِّناً، ورعاً، محتشماً، كبير الشأن..[15]
وقال الإمام الحافظ ابن كثير القرشي الدمشقي:
ابن بنت رسول الله ــ ص ــ: سيد المسلمين، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم. والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول الله ــ ص ــ أن رسول الله (ص) قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون مُلكاً". وإنما كمُلت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي.. وقد مدحه رسول الله ــ ص ــ على صنيعه هذا وهو تركه الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة[16] وجعل المُلك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد. وهذا المدح قد ذكرناه وسنورده في حديث أبي بكرة الثقفي أن رسول الله ــ ص ــ صعد المنبر يوماً وجلس الحسن بن علي إلى جانبه، فجعل ينظر إلى الناس مرة وإليه أخرى ثم قال: "أيها الناس إن ابني هذا سيِّدٌ، وسيُصلح اللهُ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". رواه البخاري.[17]
أما بخصوص خلافته وإمامة مَن بعده من الأئمة فقال رسول الله ــ ص ــ:
لا يزال الدينُ قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفةً، كلهم من قريش[18].[19]
وقال ــ ص ــ أيضاً:
مَن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية[20].[21]
وقال ــ ص ــ:
مَن مات بغير إمام مات ميتة جاهلية[22].[23]

 

الإمام علي بن الحسين (ع) 

حفيد إمام الأحرار[24] أمير المؤمنين علي[25]، وسمِّيه، وربيبه، وقرة عينه، ووارثه؛ ابن سبط رسول الله ــ ص ــ سيد الأحرار الحسين بن علي؛ غرة آل بيت النبوة وفخر المسلمين: زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)[26]. 

قال الإمام الحافظ الذهبي:
علي بن الحسين: السَّيِّد الإمام، زين العابدين، الهاشمي العلوي. كان له جلالة عجيبة، وحُقَّ له والله ذلك، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدُدِه وعِلمه وتألُّهه وكمال عقله.[27]
وقال ابن سعد:
كان علي بن الحسين ثقة، مأموناً، كثير الحديث، عالياً، رفيعاً، ورعاً.[28]
قال الزهري:
ما رأيتُ قرشياً أفضل من علي بن الحسين.[29]
وقال أبو حازم المدني:
ما رأيتُ هاشمياً أفقه من علي بن الحسين.[30]
وقال الواقدي:
كان من أورع الناس وأعبدهم وأتقاهم لله عزَّ وجلَّ.[31]
وقال محمد بن إسحاق:
كان أناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ومَن يعطيهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه كان هو الذي كان يأتيهم في الليل بما يأتيهم.[32]
وقال المدائني:
قارف الزهري ذنباً فاستوحش منه وهام على وجهه وترك أهله وماله، فلما اجتمع بعلي بن الحسين قال له: يا زهري، قنوطك من رحمة الله التي وسعت كلَّ شيء أعظم من ذنبك، فقال الزهري[33]: اللهُ أعلم حيث يجعل رسالته[34].[35]

 

خلاصة وخاتمة زكية 

تعلّمنا من إمامنا الحسن (ع)، وفي الدروس الحسنية، كيف يَصنع الأبطالُ الأطهارُ سِلْمَ البلاد وأمْنَها، وكيف يُحافَظ على الدين ــ وجوداً وكياناً ــ، وكيف تُمارس الإمامة والدعوة في الظروف الاستثنائية القاهرة؛ وتعلَّمنا من إمامنا زين العابدين (ع)، وفي الدروس السَّجَّادِيَّة، كيف يُحوِّل المُلهَمون الهزيمةَ إلى نصرٍ، والضعف إلى قوة، وفاجعة الموت إلى فن حياة، فلا تذهب الدماء الزكية هدراً ولا الجهاد الأقدس سُدىً، ويبقى الدينُ كما أراد اللهُ محفوظاً بحفظه..
وتعلَّمنا من السيرة الحَسنيَّة السَّجَّادِيَّة كيف تكون السلبية إيجابية، والمعارضة السِّلميَّةُ جهاداً قدسيّاً؛ وكيف أن الشهادة (لا إله إلا الله ــ محمد رسول الله) هي الهمُّ، والدينَ هو الرجاء، ورضا اللهِ وطاعتَهُ الغايةُ؛ وكيف يكون الحبُّ والكلمةُ الطيبةُ والعملُ الصالحُ والإخلاصُ والصبرُ لله وبالله، وكيف تهون الصعاب لأجل الحق![36]
ورأينا الوسطية[37] الحقة تتجلى بالنور الحَسني والسَّجَّادي مثلما تجلَّت تماماً بالنور العَلوي والحُسيني، إذ شُهِرَ سيفُ الحقِّ بالحق وللحق دون بغي ولا ظلم وبرضا الحق ولرضاه كما أُعليتْ كلمة الحق بالحق وللحق دون إفراط ولا تفريط وبرضا الحق ولرضاه.
فهل نعمل وِفْقَ ما رأينا وعَلِمنا وتحققنا أم يأخذنا الهوى والعصبية إلى ما لا يرضاه الحق لنا؟
سؤال برسم الضمائر والعقول..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
كتبه
سام محمد الحامد علي
www.safwaweb.com
www.freemoslem.com
www.alaweenonline.com
www.alaween.net
www.ftatali.com


الحواشي والمراجع:
[1] سورة الذاريات، 55.
[2] وقال:
"وأما بنعمة ربك فحدِّث".
[سورة الضحى، 11]
[3] سورة الصف، 2-3.
[4] غاية الاستشهاد بهاتين الآيتين الشريفتين مساءلة أنفسنا: كيف نقول ما لا نفعل. بمعنى:
نقول ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ بقول الحبيب المصطفى (ص ): لا يُسلم المرءُ حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولا نعمل بمضمون هذا الحديث الشريف، أو بما يوجبه!
كذلك ينفع الاستشهاد بتينك الآيتين الشريفتين للتنبيه (لا المساءلة وحسب) على ذات الشيء، وهو العمل بخلاف القول، أو القول غير المقرون بالعمل، فيُذكَّرُ مَن يقول بلسانه :"ولايتي لإمامي فلان" وفِعله مناقض لفِعل إمامه المنتسب إليه. وهذا الحال مشابه لِمَن يؤمن بأسماء الله وصفاته (الحسنى ــ الثابتة) ولا يعمل وفق ما يوجبه الإيمان بها! (كمَن يؤمن بأن اللهَ رقيبٌ وحسيب.. ولا يخشاه..)
[5]نهج البلاغة، قصار الحكم113.
[6]تنبيه إلى ضرورة التفكر (الدراية) بالشيء (أو النص)، لا مجرد ترديده كالببغاء! فذاك أصل العِلم..
[7]إشارة إلى قوله تعالى: ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شِيعاً؛ كل حزبٍ بما لديهم فرحون.
[سورة الروم، 31-32]
[8]إشارة إلى قوله تعالى: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.
[سورة الأنفال، 46]
[9]دين الإسلام: دين جدهما محمد ــ ص ــ.
[10] كان النبي ــ ص ــ يقول:
اللهم إني أُحبهما فأحبهما.
[صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين (ع)؛ ح: 3747. انظر: طبعة دار الفكر، ط1، مج2، ص916]
[11] عن أنس:
لم يكن أحد أشبه بالنبي ــ ص ــ من الحسن بن علي (رض).
[صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين (ع)؛ ح: 3751/3752. انظر: طبعة دار الفكر، ط1، مج2، ص917]
[12]قال النبي ــ ص ــ: حسنٌ سِبطٌ من الأسباط. (أي أمة من الأمم في الخير ــ حاشية المرجع)
[أُسد الغابة في معرفة الصحابة، العلامة الشيخ ابن الأثير، طبعة اعتنى بتصحيحها الشيخ عادل أحمد الرفاعي، دار إحياء التراث العربي، ط1، مج2، ص19]
[13] قال رسول الله ــ ص ــ:
إن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
[مسند الإمام أحمد بن حنبل، حديث حذيفة بن اليمان، ح22818. انظر: طبعة دار إحياء التراث العربي، ط3، مج6، ص542]
[الحديث وارد أيضاً في: سنن الترمذي، كتاب مناقب أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب والحسين بن علي بن أبي طالب. و: سنن ابن ماجة، باب فضائل أصحاب رسول الله..]
[14] يجدر بي، ويطيب لي، أن أُعرِّج على موضوع فائق الأهمية والخطورة، وهو:
لومُ الحسينِ (المزعومُ) أخيه الحسنِ على صلح معاوية والاختلافُ الموهومُ بين فكريّ واتجاهيّ الإمامين الجليلين الحسن والحسين (ع)!
أقول:
يمكننا تناول هذه القضية والفصل بها من جهتين. الأولى: أن الحسين بن علي (ع) كان خيرَ وسيِّدَ مَن آمن بإمامة أخيه الأكبر ولزم حقها وأدَّاه، فهو السبط الثاني والشقيق الروحاني لذاك الأخ الذي هو سيد البيت النبوي. ولا عجب في ذلك، حيث أنه من الطبيعي، أو البديهي، أن يَرعى اللهُ بيتَ حبيبِهِ النبي الخاتم ــ ص ــ؛ والطبيعي والبديهي أيضاً أن تحصل هذه التوأمة الروحية والخُلقية لشقيقٍ عاش عين الظروف والبيئة التي عاشها شقيقه، وتغذى من ذات الريق "الشريف" الذي تغذى منه شقيقه.
أما الجهة الثانية فتتمثل ببيان أنه ليس ثمة خلافاً فكرياً أو منهجياً، أو خُلقياً، بين سبطيّ نبي الرحمة الإمامين العادلين: الحسن والحسين (ع)، إذ لا يمكن مقارنة ثورة سيد الأحرار الحسين بن علي على الظلم بصلح وريث بيت النبوة، فظروف زمان الأول ومتطلباته الشرعية تختلف جذرياً مع ظروف زمان الأخير ومتطلباته؛ ويقيناً، وحقاً مبيناً، أنه لو كان الأخير محل الأول، أو الأول محل الأخير، بذات الظروف والشروط والأوضاع، لَما اختلف فِعل أحدهما عن الآخر، إذ كل منهما نور من أنوار البيت النبوي الشريف، وهما ريحانتا النبي الأسوة وسيدا شباب أهل الجنة! وما بعد تقرير النبي الكريم من تقرير ولا كلام لقول الحق ــ تبارك وتعالى ــ:
"وما آتاكم الرسولُ فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا اللهَ واعلموا أن اللهَ شديدُ العقاب".
[سورة الحشر، 7]
{قال رسول الله ــ ص ــ عن الحسن والحسين: هما ريحانتيَّ من الدنيا.
[صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، ح3753؛ وكتاب الأدب، ح5994. انظر: طبعة دار الفكر، مج2، ص917؛ و: مج4، ص1512]
وقال رسول الله ــ ص ــ:
إن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
[مسند الإمام أحمد بن حنبل، حديث حذيفة بن اليمان، ح22818. انظر: طبعة دار إحياء التراث العربي، ط3، مج6، ص542]
[الحديث وارد أيضاً في: سنن الترمذي، كتاب مناقب أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب والحسين بن علي بن أبي طالب. و: سنن ابن ماجة، باب فضائل أصحاب رسول الله..]}
كما يجدر بي، ويطيب لي، أن أتطرق لَما يُحكى عن اختلاف جوهري بين سيرة الإمامين: علي بن أبي طالب (ع) وابنه الحسن (ع) في مجال السياسة والخلافة، وهو محض توهُّم أو سوء افتراء!
فما سقناه عن الخلاف الموهوم والمزعوم بين الإمامين الجليلين الحسن والحسين (ع) يُحسَن سياقه وإيراده والإدلاء به في هذا المجال، ولكن نضيف القول التالي:
عَمِلَ الإمامُ "الحقُّ"، العادلُ، الحسن بن علي (ع) بمضمون الآيتين الموجبتين في الحالة والظرف اللذين كانا في أيامه، وهما:
"وإن جنحوا للسِّلم فاجنح له".
[سورة الأنفال، 61]
و:
"والصُّلحُ خيرٌ".
[سورة النساء، 128]
فظهر الحق وكُشف الباطل!
أما الأباطيل والتخاريف التي يسوقها مَن لا عِلم له، أو الحاقدون والمأجورون، من أن الإمام الحسن كان أوهن من أن يُحارِب، أو أنه صَالَحَ عن ضعْفٍ.. فأسخف من أن يُرَدَّ عليها، لا سيما وأن في السنة النبوية الشريفة ما يناقضها!
فقد أخبر رسول الله ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ أن الله سيُصلح بسبطه الحسن بين فئتين عظيمتين.. فضلاً عن إجماع المؤرخين على اجتماع الناس على خلافة الإمام الحسن.. والدليلُ على صحة ما دَوَّنه أهل التاريخ من أن الإمامَ الحسن (ع) قد صالح معاوية عن قوة وحكمة أن بعض أتباعِ الإمام الحسن قد عابوه على صلح معاوية، ولو أنه صالحه عن ضعف كما يشيع الواهمون أو المضلِّلون لَما عابه أحد إذ لا حول ولا قوة حينئذٍ!
وبالحديث عن الفروقات الظرفية بين الأئمة، والتي عَكَسَتْ فروقاتٍ عمليةً وتطبيقيةً، يمكننا الإشارة إلى مُضِي الإمام الحسن (ع) في نهج والده (ع) المتمثِّل بالعمل الإمامي الأقدس والأهم الذي جسَّده والده (ع) في أرقى وأنقى صورة للإمامة الإسلامية العظمى خلال فترة تولي الخلفاء الراشدين الذين سبقوه، تماماً كما جسَّده أثناء خلافته وبظروفها. ولكن، بقي العامل الأبرز في تظهير صورة الاختلاف بين الإمامين الحقَّين، العادلين، علي والحسن بن علي، والذي هو صلح الأخير مع عدو الأول يلعب لعبه في أذهان المسلمين ومخيّلاتهم!
وفي ختام هذه المداخلة البيانية والتوضيحية أقول:
إن الصُّلح، صُلح الإمام الحسن (ع)، لم يعنِ استسلاماً، أو ترْكَ الأمورِ للأقدارِ، أو الدورانَ في دائرة الضعف، أو البقاء تحت تأثير الآخَر وجاذبيته، وإنما عنى فتْحَ المجال للعمل على الحفاظ على ما هو أهم، والتهيئة لتوسيع دائرة الفاعلية والتأثير في سائر المجتمعات الإسلامية وبلدانها!
[15] سِير أعلام النبلاء، الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، مؤسسة الرسالة، ط11، مج3، ص253.
[16]قال الإمام الحسن ــ ع ــ:
ما أحببتُ أن أَلِيَ أمر أمة محمد ــ ص ــ على أن يهراق في ذلك مِحْجَمَة دم.
[أُسد الغابة في معرفة الصحابة، العلامة الشيخ ابن الأثير، مج2، ص19]
[17]البداية والنهاية، أبو الفداء الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي، مج5، ص499.
[18]صحيح مسلم، ومسند الإمام ابن حنبل. انظر: أهل البيت في الكتاب والسنة، محمد الرشيهري، دار الحديث، ط2، ص73.
[19]قال البحاثة محمد الرشيهري:
لا ريب أن حذف المواصفات الدقيقة لخلفاء النبي ــ ص ــ الاثني عشر، من بعض الروايات، كان لأسباب سياسية بحتة. غير أنه يكفي لاتضاح الحقيقة أن العدد المذكور لا ينطبق إلا على أئمة أهل البيت. ولو قُورنت هذه الأحاديث بحديث الثقلين المتواتر.. لَعرفنا أن النبي (ص) حدد وبمزيد من الدقة والوضوح وأكثر من أي شيء آخر: معالم القيادة المستقبلية للأمة الإسلامية والأئمة من بعده!
[أهل البيت في الكتاب والسنة، محمد الرشيهري، ص79-80]
وقال بعض المحققين:
إن الأحاديث الدالة على كوْن الخلفاء بعده ــ ص ــ اثني عشر قد اشتهرتْ من طرق كثيرة. فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان عُلِم أن مراد رسول الله ــ ص ــ من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته! إذ لا يمكن أن يُحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه، لقلّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يُحمل على الملوك الأموية لزيادتهم على اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلا عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم، لأن النبي ــ ص ــ قال: "كلهم من بني هاشم" في رواية عبد الملك بن جابر، وإخفاء صوته ــ ص ــ في هذا القول يُرجِّح هذه الرواية، لأنهم لا يُحبّون خلافة بين هاشم، ولا يمكن أنْ يُحمل على الملوك العباسية لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلة رعايتهم لآية: "قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى" وحديث الكساء، فلا بد من أنْ يُحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته ــ ع ــ؛ لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلهم وأورعهم وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند الله، وكانت علومهم عن آبائهم متصلة بجدهم ــ ص ــ وبالوراثة واللدنية، كذا عرفهم أهل العِلم والتحقيق وأهل الكشف والتدقيق. ويؤيد هذا المعنى ــ أيْ أنّ مراد النبي (ص) الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته ــ ويشهد له ويرجّحه حديثُ الثقلين.
[المرجع السابق]
{قال ــ ص ــ في أهل بيته (ع):
"أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشِك أن يأتي رسولُ ربي فأُجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به". فحث على كتاب الله ورغّب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي أذكِّركم اللهَ في أهل بيتي. أذكِّركم اللهَ في أهل بيتي. أذكِّركم اللهَ في أهل بيتي". فقيل (للراوي وهو الصحابي زيد بن أرقم): مَن أهلُ بيته نساؤه؟ قال: لا وأيمُ اللهِ، إنَّ المرأة تكون مع الرجل العصرَ من الدهر ثم يُطلِّقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعَصَبَتُهُ الذين حُرموا الصَّدقةَ بعده.
[الجامع الصحيح لابن مسلم المعروف بـ: صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، من فضائل علي بن أبي طالب. (انظر: طبعة دار الفكر، طبعة مميزة: مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة؛ مج4، ج7، ص122-123)]
أقول:
كثر الجدل حول "مَن هم أهل بيت محمد" ــ ص ــ، أزواجه، ذريته، أقرباؤه، أم جميعهم، وقد تعصّب كل فريق لرأيه، ولكن الغريب في الأمر أن الثابت في الصحيح ــ كما مرّ معنا أعلاه ــ أن أهل بيته أقرباؤه عموماً وذريته خصوصاً، وما الصلاة الإبراهيمية، الثابتة عند سائر المسلمين، إلا بيان لفضل "الآل" الذين هم الذرية، أو الأئمة من الذرية، أو الصالحين من الذرية!
فنص الحديث المتعلِّق بالصلاة الإبراهيمية ــ كما جاء في صحيح البخاري ــ هو:
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لَقِيني كعبُ بن عُجرةَ فقال: ألا أُهدِي لكَ هَديةً سمعتُها منَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فقلتُ: بَلى فأهدها لي، فقال: سألنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسولَ الله كيفَ الصلاةُ عليكم أهلَ البيت، فإن اللهَ قد علمنا كيفَ نسلِّم. قال:
"قولوا اللّهمَّ صل على محمدٍ وعَلَى آلِ محمدٍ كما صليتَ على إِبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنكَ حَميدٌ مَجيد، اللّهمَّ بارك على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركتَ على إِبراهيم وعلى آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حَميدٌ مَجيد".
[صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى "واتخذ الله إبراهيم خليلاً". وقد ورد بعدة ألفاظ، والحديث متفق عليه..]
فهل الصلاة على آل إبراهيم تكون على زوجاته وسائر أقربائه أم على ذريته "المصطفاة"؟!
ألم يقل رسول الله ــ ص ــ لعلي بن أبي طالب: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي"؟!
ألم يثبت بذلك النص الثابت أن علياً هو القريب الأقرب..؟!
أليست ذرية الرسول من صلب عليّ وحده؟!
علامَ الخلاف إذاً؟!
[كتاب: الإمام علي في السنة والتاريخ، سام محمد الحامد علي، مطبعة اليمامة، ط1]}
[20]صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين. انظر: طبعة دار الفكر ــ بيروت، طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة، مج3، ج6، ص22.
[21]أهل البيت في الكتاب والسنة، محمد الرشيهري، ص103.
[22]مسند الإمام أحمد بن حنبل، حديث معاوية بن أبي سفيان؛ ح16434. انظر: طبعة دار إحياء التراث العربي، ط3، مج5، ص61.
[23]أهل البيت في الكتاب والسنة، محمد الرشيهري، ص103.
[24]راجع حول "الحريةِ" بحثَ: الإمام علي (ع) وأحرار العالم.
[25]من بديع حكمة الله في أمر الإمام زين العابدين جمْعه للمسلمين لا بسيرته وإنسانيته وحسْب، وإنما بحَسَبِهِ أيضاً!
فقد ذَكَرَ غيرُ واحدٍ من الثقاة الأقدمين: أن يزدجرد (ملك فارس) كان له ثلاث بنات سُبَين في زمن عمر بن الخطاب، فحصلت واحدة لعبد الله بن عمر فأولدها سالماً، والأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق فأولدها القاسم، والأخرى لحسين بن علي فأولدها علياً زين العابدين، وكلهم بنو خالة.
[انظر: البداية والنهاية، الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي القرشي، مج6، ص230. وانظر: سِير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي، مج4، ص390]
[وللعِلم، الثلاثة بنو الخالة يعدون ــ لدى سائر المسلمين ــ من كبار التابعين!]
[26] أورد الإمام الحافظ ابن عساكر الدمشقي بإسناده عن الصحابي جابر بن عبد الله قال:
كنتُ عند رسول الله ــ ص ــ فدخل عليه الحسين بن علي فضمَّه إليه وقبَّله وأقعده إلى جنبه، ثم قال:
"يُوْلَدُ لابني هذا ابنٌ يقال له عليٌّ، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بُطنانِ العرشِ ليَقُم سيد العابدين فيقوم هو".
[انظر: البداية والنهاية، الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي القرشي، مج6، ص232]
[27] سِير أعلام النبلاء، الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، مج4، ص386/398.
قال الإمام الحافظ ابن كثير:
كان عليٌّ بالمدينة محترماً مُعظَّماً.
[البداية والنهاية، الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي القرشي، مج6، ص230]
[28] سِير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي، مج4، ص387.
[انظر: البداية والنهاية، الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي القرشي، مج6، ص230]
[29] سِير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي، مج4، ص387.
[30] سِير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي، مج4، ص394.
[31] البداية والنهاية، الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي القرشي، مج6، ص230.
[32] البداية والنهاية، الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي القرشي، مج6، ص231.
[33] مادحاً الإمام علي زين العابدين (ع) ومعترفاً بفضله ومقامه..
[34] سورة الأنعام، 21.
[35] البداية والنهاية، الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي القرشي، مج6، ص234.
[36] عن الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين (ع)، قال:
إنَّا لَنُصلِّي خلفهم (يعني الأموية) من غير تقية، وأشهد على أبي أنه كان يُصلِّي خلفهم من غير تقية.
[سِير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي، مج4، ص397]
[37]قال الإمام الرضا ــ ع ــ:
إن مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام:
أحدها الغلو، وثانيها التقصير في أمرنا، وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمع الناسُ الغلو فينا كفَّروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربويتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا.
[أهل البيت في الكتاب والسنة، محمد الرشيهري، دار الحديث، ط2، ص531]

 
< السابق   التالى >
 

مواضيع ذات صلة

آخر تحديث للموقع

 January 23, 2012, 1:01 am 
النصيرية

spacer
Untitled 1

تسمية العلويين | أصل العلويين | علويو الأمس | علويو اليوم | تعريف العلويين | من هم العلويون الأحرار | أهداف العلويين الأحرار

 

graphic world

Graphic World. Web Solutions and development