|
ناموس الوجود في ضمير الإنسان |
|
|
|
الكاتب/ سام محمد الحامد علي
|
|
03/04/2010 |
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمةً للعالمين، وعلى آله الطيبين والطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد! إخواني المؤمنون، أخواتي المؤمنات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. نتحدَّث في خطبة هذه الجمعة المباركة عن موضوع فائق الأهمية، هو: "ناموس الوجود في ضمير الإنسان"، مبيِّنين أهمية مساهمة كل فردٍ منا في تحقيق رسالة الإنسان الكبرى، والتي هي: عمارة الدنيا بما يرضي الله ويسعد العباد، على الصعيد الفردي، وأهمية مساهمة كل فئة ومجموعة من الناس في خدمة ذات القضية على الصعيد الجماعي؛ موضحين بنفس الوقت العلاقة بين الخلقة والفطرة من جهة، وبين سعادة الإنسان ورقيّه وسلامته من جهة أخرى.
أقول: خلق اللهُ الإنسانَ من تراب وعلَّقه به علاقة كونية كبرى ووثقى، إذ من أصل مادة التراب وجوهره أبدع اللهُ الجنسَ الآدمي (وهذه علاقة الإنسان بالتراب والأرض ككلٍّ)، ثم نفخ فيه من روحه نفخةً جعلته سيدَ المخلوقات في هذا الكون، حيث وهبه "العقل" (وهو القدرة على الفهم والوعي والتحليل..) فاختصَّه بالفِكر والتكليف. وهكذا كان الترابُ أصلَ الإنسانِ، والنفخةُ الإلهيةُ سرَّه. فهل بقي الإنسان وفياً للأصل الذي خُلق منه؟ وهل بقي على السر الذي سرى فيه؟! لقد بدأ الإنسان بفقدان التوازن، والانحلال الاجتماعي، منذ أن اغترب عن أصل خلقته وتجاهل الغاية من خلقه، حيث استبدل الصالح بالطالح وما ينفع بما لا ينفع، فتشرَّى الفساد في ذاته وسائر مناحي حياته، حتى غدا إصلاحه حلماً قد يكون بعيد المنال! فلا الرجوع إلى المجتمعات البدائية بممكن، ولا وارد، ولا إصلاح هذه التراكمات الاجتماعية والفكرية بالأمر اليسير على الإنسان الباصر المريد! وهكذا هُجِرَت الديانات بجواهرها وحقائقها وغاياتها ومسلَّماتها، واستُبدِلتْ بصور عقائد مركَّبة وِفق ما يهوى الإنسان ويرى، لا وفق ما هو أصلح له وأنفع! فكيف السبيل إلى البدء بمشروعٍ إصلاحي كبير يوازي حجم المشكلة؟ وما هي خير السُّبل لضمان تحقيق هذا الحلم والمشروع الإنساني العظيم؟ إن نقطة البداية لكل عملٍ هي: النية الصادقة والرغبة الجادة في تحقيق العمل وإنجازه، لا التفكير به، أو الشروع به، وحسب! وخير السُّبل هو التخطيط السليم والمراقبة الدائمة لمسيرة العمل ووتيرته، على مستوى الهدف والمسار، وعلى مستوى التحقيق والإنجاز، فهل يكفي هذا للبدء بمشروعنا الموعود وإنجازه على أحسن وأتم وجه؟ أيها الإخوة والأخوات.. إننا نفتقد في أنفسنا ومجتمعاتنا الكثيرَ من جوانب الثقافة الضرورية، والتي ليس بوسع إنسان أو مجتمع تجاهلها أو التنكُّر لأهمية وجودها، ومن ضروريات تلك الثقافات: ثقافة الحرية الشخصية والجماعية، وثقافة المواطنة، وثقافة الأسرة والعائلة والمجتمع.. فالمؤسف، بل المؤلم، غياب تلك الأسس والمبادئ الفكرية عن حياتنا، والأشد أسفاً وإيلاماً قبولنا الحياة بلا وعيٍ عميقٍ لنمط الحياة التي نحياها وبجهلٍ كبير بمآل هذا النمط من الحياة! فيحيا الفرد منا بغرائز ونتاجِ ضروبٍ من التربية غير المتكاملة في الأسرة والمجتمع حياةً ملؤها التخبُّط والعشوائية، أو التهرُّب والتنصُّل من أهم الواجبات الدينية والاجتماعية.. لذا كان لا بُدَّ لنا على مستوى الوعظ والإرشاد، وعلى مستوى التوجيه والتعليم، وعلى مستوى التفاعل النِّدِّي البيني، أن نعطي هذه المسألة، وهذه الضرورة، حقها من العناية والبحث.. أيها الأبناء والبنات.. يستطيع إنسان اليوم الذهاب بحياته إلى أبعد مدى في الحياة الفردية، أو الأسرية الضيقة، ويستطيع تجاهل ما يريد مما يخشى مواجهته أو التعمق بمعرفته، أو يستصعبهما، لكنه ليس بمقدوره أبداً ضمان المستقبل الواعد والزاهر (المتوازن والطبيعي والسليم) لأولاده أو مَن يحب! لذا عليه أن يُعيد النظر في نمط الحياة الذي يحياه، ومدى قربه من طبيعته الإنسانية الأصيلة، فينظر في الناحية الصحية غذاءً وحركةً نظرة جادة فاحصة، وفي الناحية الفكرية معلوماتٍ وتجارباً، وفي الناحية العملية صورة وجوهراً، واقعاً ونتاجاً؛ فالصحة ــ أيها الأبناء والبنات ــ أهم منّة من الله عز وجلَّ، وعلينا المحافظة عليها، وعلينا إقصار حياتنا على نمطٍ تكون هي القاعدة الأولى المرعية في صورة هذه الحياة، ثم علينا النظر فيما اكتسبناه من علوم ومعارف وتجارب، ومدى مطابقتها لجوهر الشرائع السماوية الواحد، فنرضى بالصحيح لا بما نحب أو ما نحن عليه، ونقصد ما ينفعنا لا ما يريحنا أو يحلو لنا؛ وعلينا النظر ملياً بشرف الإنسان وقيمته الحقة: العمل! ماذا نعمل، وكيف نعمل، ولأية مصلحة عَمِلْنَا، ولأية غاية..! أيها الأحبة، يحلم الكثيرُ من مفتونيّ عصرنا بحياة يكون لكل شخص فيها أشياؤه الخاصة به، بدءاً من غرفة نوم خاصة مجهَّزة بتلفاز ومذياع وحاسب شخصي وما شاكل، وانتهاءً بسيارة خاصة تُكمل له عملية الانفصال عن الحياة الاجتماعية الطبيعية للإنسان السليم؛ ويتمنى كثيرون الوصول بالمجتمع الإنساني إلى مجتمع الانفصال الاستقلالي التام لكل فرد ضمن الأسرة، ولكل أسرة ضمن الحي والمجتمع.. بحيث إذا رأينا أحد من الإخوة يتناول الطعام مع أخيه لمرتين متتاليتين شككنا في صحة وسوية ما رأيناه. وبهذا نحيل التربية والتثقيف بالكامل إلى التلفاز والحاسب الشخصي عبر متسلِّقي الشهرة ومدَّعي القيم الإنسانية والعولمة، فيفقد المدرِّس في الصف أو القاعة قيمته الإنسانية الفاعلة، ويفقد منبر الوعظ والإرشاد الديني والتربوي دوره وأهميته، ولا يكون لشيء من ذلك أثر يُذكَر، وهذا هو المطلوب لتحويل الإنسان إلى خروف، يأكل ويرعى قوتاً وأفكاراً مجهَّزة لضمان السيطرة التامة عليه، ولأبد الآبدين! أيها الكرام.. منادو الخير في العالم كثيرون، والمنبِّهون إلى تلك الأخطار كُثر، لكن فاعليتهم قليلة، والخطر عليهم وعلى نداءاتهم وتنبيهاتهم كبير وجسيم، لذلك يجب علينا الانطلاق من أنفسنا وأهلنا، بكل حب ولينٍ وتفهُّم ووعي وحكمة وتأنٍّ وصبر وتصميم.. ليس علينا مصادرة حريات الآخرين أو آرائهم، ولا إجبارهم على شيء لا يريدونه، لكن علينا بكل تأكيد الإخلاص لله بأنفسنا وأوطاننا! أيها الأحباء.. ليس هناك شيء أقدس من الإنسان والوطن! علينا بأنفسنا وخدمة أوطاننا.. علينا بالعمل الصادق الجميل.. علينا بالخير والصلاح.. علينا بكل ما هو نافع ومفيد.. علينا العمل وعلى الله إدراك النجاح.. لا بدَّ من الانطلاق فوراً، والبدء بالعمل؛ ولا بدَّ من المتابعة بكل عزم وتصميم وثبات، ولا بدَّ من الفوز والفلاح في النهاية ــ بإذن الله ــ.. العمل ــ أيها الأحبة ــ هو معيار قيمة الإنسان، وهو دلالة ما يكتنزه من إمكانيات وأفكار ومبادئ.. لا عيب في العمل، وكلُّ عملٍ شريفٍ شرفٌ لعامله؛ ولكلٍّ منا عمله في حينه الراهن.. ولا تقل أهميةُ عملٍ عن عمل ما دام التمام والإخلاص هما سمتا كلّ عمل إنساني! أعمالنا المبنيّة على التكامل ــ أيها الأحبة ــ، وعلى الإخلاص، كأعمال ووظائف أعضاء وأجهزة الجسد الإنساني الواحد، كل منها شريف وهام، ولا تكون سلامة الجسد إلا بعمل وسلامة كل جهاز وعضو! وكما جاء في الحديث النبوي الشريف: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الأعضاء بالسهر والحمى. وفي حديث آخر: المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً. (وشَبَكَ بين أصابعه). وهكذا ــ أيها الأحبة ــ خُلقنا وفُطرنا، وعُلِّمنا وهُذِّبنا ورُبِّينا، فلنحافظ على هذه الحقائق المُنْجِية والمُسْعِدة، ولنتقِ اللهَ في أنفسنا وأماناتنا.. والسلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته.. سام علي |