|
الثقافة بين الضرورة والترف |
|
|
|
الكاتب/ سام محمد الحامد علي
|
|
10/04/2010 |
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد! إخواني المؤمنون، أخواتي المؤمنات.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. نتحدَّث في خطبة هذه الجمعة المباركة عن أهم موضوع يتناول وجودَنا الإنسانيَّ القويمَ، ويحدِّد تطورَ حياتِنا السليمَ، وهو موضوع: "الثقافة بين الفرض والاستحباب"، أو: "الثقافة بين الضرورة والترف"، أو: "الثقافة بين الطموح والإمكان"، أو: "الثقافة بين الرؤى والحقيقة"؛ فلجوهر هذه العناوين، وهو: "حقيقة الثقافة ودورها في رسالة الإنسان"، الأهمية الكبرى، والأثر الأبلغ، في توازن الإنسان ورقيّه وسعادته وفلاحه..!
أقول: الثقافة لغةً هي: الحَذَقُ (أي: الذكاء والفطنة)، وهي: التمكُّن (أي: القوة في المعرفة أو الأثر)، وهي: التهذيب (أي: الصقل والتشذيب والقوامة)، وهي: الإدراك (أي: الظفر بالشيء أو الشخص)؛ واصطلاحاً هي: المعرفة، والمعرفة بهذا المعنى هي: الوعي وفَهْمُ الحقائق واكتساب المعلومة والتجربة.. أما الفرق بين الثقافة والعِلم فهو أن العِلمَ عامٌّ والثقافةَ خاصةٌ، فعِلم الفيزياء مثلاً عِلم عام واحد ــ وإن تنوَّعت أقسامه وأنواعه ــ، بينما الثقافة خاصة بمجموعات بشرية، أو شعوب، أو أمم، أو بلاد وأقاليم ومناطق، أو خاصة بقضايا معينة! أما الثقافة في الحقيقة فهي: روحٌ، وجوهرٌ، وقوت، وبلسم، وشفاء، وضمان، وأمان، وسلامة، وسعادة.. فالثقافة ــ أيها الإخوة والأخوات ــ ليست مجرد معلومات أو تجارب، ولا حروف ولا كتب ولا كلماتٍ، إنما هي نتاجُ كلِّ ذلك وانعكاساته على مرآة ضمير الإنسان ووجدانه؛ وهذه هي الثقافة الحقيقية بكل أنواعها! إذن، ليست الثقافة الحقيقية مجرد معارف وعلوم، أو مسارح وفنون.. بل رَوح ربانيّ وَهْبِيَ يفيض نوراً وجمالاً وحناناً على هذه الوجود، تفيض به، وتتبادله، الذواتُ الإنسانية المشرَّفة بهذا الجود الإلهي.. أحبائي.. إن من أهم مشاكلنا المعرفية، وعوائقنا في طريق التقدّم والازدهار، هو التباس الأمور بصالحها وطالحها علينا، وجهلنا بحقائق واقعنا وحاجاتنا الضرورية وغير الضرورية، لذا يتوجَّب علينا إعادة النظر في كل شيء حولنا، والتكاتف والتعاضد فيما بيننا، وشد بعضنا أزر بعض، فمعرفة الواقع، ومواجهته عبر التخطيط السليم والتنفيذ الدقيق، وبالتعاون البنَّاء، وتضافر الجهود التكاملي، والتفاعل الحي النموذجي والانسجامي.. وحده الكفيل ببلوغ الأمل المنشود وتحقيق الحلم الموعود، ولا يصح ذلك، ولا يقوم، ولا يكون، إلا بالثقافة الحقيقية الكاملة والمتنوعِّة! أيها الأبناء والبنات، يُحْجِمُ الكثيرُ من الناس عند سماعهم كلمة "الثقافة"، أو عند مناقشتهم بهذا المجال، لا لجهلٍ كبيرٍ بحقيقة الثقافة ودورها المحوري في رُقي الإنسان وسعادته، وإنما للصورة التي رُسمتْ في أذهانهم عن الثقافة، وإشكالاتها بذاتها وبالمتسمِّين بها، وهنا الطامة الكبرى! فالمحسوبون ــ لغطاً ــ على "الثقافة"، أو المُتَسَمُّون: "المثقفين"، بغالبيتهم غير الحقيقية وغير الأصيلة، هم الذين يسيؤون إلى "الثقافة" ومعناها السامي ودورها الريادي! وهم الذين يجعلون تلك الهوّة المصطنعة، الموهومة، بين غير المثقفين بالمعنى التقليدي للثقافة وبين روح الثقافة الإنسانية العظيم الواسع! فكيف السبيل إلى التمييز بين أشباه المثقفين والمثقفين الحقيقيين، وبين الثقافة الحقيقية والثقافة المفترضة والمصطنعة؟ إن السبيل الوحيد لتمييز الخبيث من الطيب، والغث من السمين، هو العودة إلى باطن الإنسان العميق، الصافي، الذي هو وجدانه، والمتجلِّي بالفطرة الربانية السليمة ــ الأمان والضمان ــ، حيث يمكن التفريق بين التحصيل العلمي والثقافة الحقيقية، فرُبَّ محصِّل للعِلم غريب عن الصبغة الآدمية والفطرة الإنسانية! كما يمكن التفريق بين الجهل البسيط بالأشياء والعلوم وبين الجهل المقنَّع المركَّب، وهو الجهل الذي يصيب الكثير من المتعلِّمين، فيتوضَّحُ بعد ذلك معاني الأمية ومستوياتها كما توضَّح معاني الجهل ومستوياته، فمن الأميين مَن يحفظ المئات من القصائد الشعرية، أو الكتب، ومنهم مَن يختزن من الثقافات والتجارب والخبرات ما لا تختزنه مجموعة من المتعلِّمين؛ كذلك يمكن التفريق ــ عند العودة إلى باطن الإنسان الصافي ــ بين معنى الجهل ومعنى الأمية، بحيث يتوضَّحُ أن الجهل ببعض الثقافات هو الأمية الحقيقية، إذ الطبيب الذي يفتقر إلى "أخلاق المهنة" أو "ضمير العمل"، ولا يعلم شيئاً عن ثقافة أهله وتراثهم، هو الأمي بمعنى الجاهل الحقيقي، وهو المريض وإنْ امتهن الطب! وبهذا ــ أيها الأحبة ــ يتضح لنا أنه لا عيب ولا عار في مستوى التحصيل العِلمي ما دامت الأخلاق والقيم محفوظة، والمعارف والثقافات الضرورية موجودة؛ وبهذا يكون الجسرُ الفِطريُّ الربانيُّ المتينُ بين الإنسان وأخيه الإنسان موجوداً أبداً، فلا تُفرِّق لفظةُ "الأمي" بين إنسان وإنسان، ولا تحجز إنساناً عن إنسان، ولا تمنع عن تواصلِ حبٍّ وخيرٍ بصورةِ فِكرٍ وبمضمونٍ إنسانيٍّ عظيمٍ! فليس "أميُّ القراءةِ والكتابةِ" سوى طفلاً جميلاً في "دنيا القراءة والكتابة"، قد يكبر فيها يوماً ويصبح يافعاً وغير ذلك، وقد يبقى فيها ــ لأسبابه الخاصة التي نتحمَّل جزءاً كبيراً من المسؤولية فيها ــ طفلاً أبداً! وبكل الأحوال، نحن مُكلَّفين بالتعارف والتحاب فيما بيننا، والتكامل مع بعضنا البعض، بحيث يتعلَّم المُجيدُ للقراءة والكتابة فنونَ الفراسة من الذي لا يجيد القراءة والكتابة، كما يتعلَّم "أميُّ القراءةِ والكتابةِ" من أخيه المُجيدِ لهما كلَّ ما يمكنه أن يتعلَّمه من العِلم القرائي والكتابي السامي العظيم، الذي لولاه لَما كان تقدُّم ولا تطوّر ولا ازدهار ورفاه.. أيها الأحبة، لا نحتاج في هذا العصر الخطير شيئاً ألح وأضر من الثقافة الحقيقية المتنوِّعة، والتي تبدأ من ثقافة الفرد، وتمر بثقافة الأسرة والعائلة فالمجتمع والدولة، والتي تنتهي بثقافة الوجود الآدمي الواحد، ثقافة الحب وإرادة الخير لكلِّ موجودٍ في هذا الوجود، ثقافة الحرية والكرامة والعطاء والسعادة.. ثقافة تمنع تجاوز الحريات، وتحارب حب التملك والاستغلال، وتضبط حب القوم والبلاد والحضارات والديانات، فيلزم كلّ إنسان ساحته ودائرته الخاصة، وكل فئة ومجموعة وشعب ما خصَّه من اسم ورسم، ويتفاعل الجميع بما يرضي الله ويسعد العباد، فتنمحي حبائل الشيطان المتجلية بصراع الحضارات، أو تصدير الثقافات الإقليمية والشعبية تحت أي مُسمَّى، سواء بصورة "غزو ثقافي"، أو "عولمة" مشوَّهة ومبتورة، فُرضتْ قسراً على العباد! أيها الكرام، لدينا المؤسسات المختصة، لكنها بحاجة إلى إصلاح وتطوير؛ ولدينا العقول الفاعلة المُبدِعة، والشخصيات المميَّزة المُلْهَمة، ولكن ينقصنا الأمل والهمم والتخطيط والتعاون والتصميم والمثابرة.. تنقصنا القراءة الواعية والعميقة، الصحيحة والشفافة، لذاتنا وواقعنا.. تنقصنا الجرأة والقوة على المواجهة والاستمرار! ليس عندي الجرأة أن أقول: أنا رجل فِكر، ولستُ رجل خطابة! أنا رجل إدارة وعِلم ولا أصلح لغير ما أنا عليه! ليس عند فلان من الناس القوة والشجاعة للقول: أنا لا أصلح أن أكون قائداً بل معاوناً أو مستشاراً؛ وليس عند آخر الشفافية للقول: أنا أكتسب الشرف بجدِّي بالعمل وإخلاصي، لا بمنصبي وتسميتي.. ينقصنا ــ أيها الأحبة ــ أن نتشجَّع للنزول عند الحق فنساعد أصحاب المَلَكات والمواهب القيادية والإدارية لتبوّء أمكنتها المناسبة لخدمة الإنسانية الجليلة والعظيمة، فأهل تلك المناصب هم مالكو روح التطوير الذاتي والعمل الجماعي والتشرّف بخدمة الناس والوطن من أهل الكفاءات والمواهب والمَلَكات، لا المتسلِّقون المقنَّعون أو الاستغلاليون المتخفّون.. إخواني وأخواتي، من الثقافات الضرورية لكل إنسان ثقافة "الشورى"، أو: "المشاورة"، فعَالم المخبر المنشغل بتجاربه العِلمية، والرسام المشغول بلوحته، وغيرهما ممن ينشغل بمشاغله الخاصة، يحتاج في كثير من مناحي حياته الإنسانية، وربما العلمية أو المهنية، إلى مشاورة صديق أو ناصح أو خبير أو حكيم، فما حال مَن كان على غير هذه السوية، أو بغير هذه التفرُّديَّة! إن المرء بدون هذه الثقافة، أو هذا الخُلُق، لا يمكن أن يبلغ الكمال الإنساني (النسبي) المرجو، بل لا يمكن له أن يحيا حياة سعيدة بمعنى السعادة الحقيقية أو أن يعطي العطاء الذي بمقدوره عطاؤه! فهل ثَمَّ أحد يعي هذه الحاجة الملحَّة! أيها السادة والسيدات، لكل منا دوره في وعي الجمال ونقله إلى الآخرين، ولكل منا رسالته في هذه الحياة، وأسلوبه في كل شيء، لكن ليس لأحد منا أن يتنكَّر لحقيقته ورسالته! هناك دور ــ تكاملي لا تفاضلي ــ للمفكِّر والمُنظِّر والمُرشِد والواعظ والداعية والمربِّي والمُعلِّم والقائد والمدير والمسؤول والموظف والعامل، وغيرها من التسميات، في نشر ثقافة الحب والعطاء والتكامل والارتقاء، وعلى مختلف المستويات، فهذه الثقافة هي لب "القضية الإنسانية" و "جوهر الوجود الإنساني". لا توجد ثقافةٌ أهمّ من ثقافة "حقيقة وجود الإنسان"، أو: "غاية وجود الإنسان"، وهي الثقافة التي تبدأ من إحساس الفرد بوجوده وعلاقته بالتراب والوطن، والتي تنتهي بآفاق المعمورة المفتوحة إلى عالم السماء وفضاء الأرواح. علينا بإعداد مثقفين على هذا المستوى، وبتلك القيم والأخلاق، ليجوبوا البلاد حباً بالعباد وخدمة لهم، فلماذا هناك "أطباء بلا حدود" وليس هناك "مثقفين بلا حدود"، أو "كُتَّاب بلا حدود".. لكل إنسان مدخل، ولكل مجموعة أو شريحة باب.. فإذا عرف الإنسانُ هذا السِّرَّ وأتقن العملَ، وأخلص، فإنَّ خيرَ النجاحِ سيكون حليفه.. كلُّ المستوياتِ جميلةٌ وشريفةٌ، ولكلٍّ منها أناس مناسبين؛ والعبرة في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وإعطائه الفرصة، ودعمه! العبرةُ في النجاح وتحقيق الحلم بالتكلفة الطبيعية وبالمدة والزمن الطبيعيين، لا في المخاطرة والزلزلة غير الحميدتين! ثقافةُ التعاونِ، أو روحُ التعاونِ، فالثقافةُ روحٌ كما قلنا، هي الكفيلة بعد ثقافة الحب والعطاء بتحقيق كلّ خيرٍ وبسلامة وَدِعَةٍ.. علينا أن نبحث عن روح المبادرة الموجودة فينا أصلاً، وعلينا تعزيزها بروح المتابعة والمثابرة.. علينا بالهدوء والانضباط والاحتكام إلى القانون والأخلاق الحميدة.. علينا بأداء الأمانة والرسالة.. وعلى الله بعدها ما تبقى.. أخيراً، أستغفر اللهَ لي ولكم ولسائر الأسرة الآدمية، وأستودعكم الله جميعاً؛ والسلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته.. سام علي |