|
الأخلاق بين المناهج والمباهج |
|
|
|
الكاتب/ سام محمد الحامد علي
|
|
18/04/2010 |
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمةً للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد! إخواني المؤمنون، أخواتي المؤمنات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. نتحدَّث في خطبة هذه الجمعة المباركة حول موضوع فائق الأهمية، هو: "قضية الأخلاق"، على المستوى الفكري والنظري، وعلى المستوى التطبيقي والعملي، إذ الأخلاق هي بُنى الذات الإنسانية العاقلة المكلَّفة، وهي المسؤولة عن نمط سلوك الفرد في المجتمع، وبالتالي هي المسؤولة عن أمنه وسعادته!
أقول: إن كلمة "الأخلاق" بحدّ ذاتها لا تدل على شيءٍ حَسَنٍ أو قبيح ــ وإنْ كان الرائج في استعمالاتها الاستعمال الحميد ــ! إذ يُقال عن شخص ما: حَسَنُ الخُلق، وعن آخَر: سيء الخُلق. وبهذا تكون الكلمة مفتقرة في ذاتها إلى قرين يدل على المراد منها في ذاك الإطلاق، أي: سلباً أم إيجاباً. أما في حالة التفخيم فلا تُستعمل إلا بالمعنى الإيجابي، كأن تصف أحداً بأنه: ذو أخلاق عالية، أو كما جاء وصفُ "سيد الأنبياء وخاتم المرسلين" ــ ص ــ في الذكر الحكيم: "وإنك لَعلى خُلُق عظيم". أما الأخلاق كقضيةٍ، أي: كمسألةِ مبدأ وأساس، فهي قضيةُ وجودٍ وفِكرٍ، جميل أو غير جميل، حميد أو غير حميد! أما قضيّتها الوجودية فمتأتِّية من جِبلِّة الإنسان التي جُبِلَ عليها، أي من مورِّثاته وطبائعه الغرائزية والفطرية التي خُلق عليها، والتي تتحكم بجانب كبير من مزاجه وسلوكه العام.. وأما قضيّتها الفكرية فمتجلِّية بالنظام الأخلاقي، أي المبادئ والبُنى الأخلاقية، لدى كل فرد وجماعة، المسؤولة عن الكيفية التي يتعاطى بها كلُّ شخصٍ مع خصائصه الوراثية؛ وعن أسلوب ومستوى معالجة ذاك الشخص لنشأته التربوية والتعليمية؛ وعن وعي، وطريقة، تفاعله مع ظروفه الحياتية والاجتماعية.. إخواني وأخواتي.. إن مسألة الأخلاق ليست مسألة ثانوية، ولا كمالية أو ترفية، ولا خاصة بأناس دون غيرهم، ولا عقدةً مكوَّنةً بطريقةٍ لا يمكن تغييرها أو استصلاحها أو تطويرها أو تنميتها أو تجذيرها.. إذ شأن الأخلاق شأن غيرها من بُنى النفس والفِكر القابلة للتحوّل والتطوّر؛ ولا نغالي إذا قلنا أنها الأهم والأخطر في رسم صورة حياتنا المعاشة، شعوراً وأداءً ونتائجاً، وهي المسؤولة عن غدنا ومستقبلنا: جمالاً وأمناً! أعزائي وأحبائي، "حاجة الإنسان إلى أخيه الإنسان" فطرة ربانية، وقِسمة إلهية، ارتضاها لنا بارئنا نعمةً وكمالاً، ليكون بها الودّ والألفة والتراحم الحق، فالسعادة والنعيم الجوهريين الأبديين؛ وإذا كان معظمنا بحاجةٍ إلى مُرشِدٍ ومُوجّه، أو طبيب ومعالج، في مجال ما من مجالات حياته النفسية أو المعنوية، فإن أولئك المحتاج إليهم أحوج الخلق إلى سائر الخلق في كافة المجالات، ومن ضمنها المجال الذين خُلقوا لأجله وأَبدعوا فيه! فلا يستصغرنَّ أحدٌ نفسَه، ولا يخجلنَّ من طلب ما يحتاجه، فالعيب لا يكمن في الافتقار إلى شيء وإنما بالمكابرة والقعود عن تلبية الاحتياجات، وبالرضى والخنوع للأوهام والسخافات! وبهذا نفيء إلى الله بالله، بدءاً من إصغائنا إلى صوت وجداننا وضميرنا الذي أبدعه اللهُ فينا، إلى الركون إلى ما أنزل وأشرع من قِيمٍ وأخلاق ومعاييرَ! نسمع كلَّ الطروحات الإنسانية حول الأخلاق وفن الحياة، ونجري محاكمةً عقليةً لِما نسمع، آخذين بعين الاعتبار أولوية الخير والجمال والسعادة والمصلحة العامة، مُرجِّحين بميزان الحق: الأسمى والأنفع والأسعد والأبقى، لا الأسهل أو الأقرب إلى ما نحب ونألف.. لنحصل على خلاصة وجوهر ما أتت به الأديان: دين الإسلام، الذي قال رسوله الكريم ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ـ: وما بُعثتُ إلا لأتمم مكارم الأخلاق! أيها الأحبة، يختلق الكثيرُ منا أوهاماً وخصوماتٍ ما أنزل اللهُ بها من سلطان، فيحيا حياةَ التمزُّقِ والشقاء والتعاسة بملء إرادته، عن جهل، أو عن خنوع واستسلام. إذ يفترض الكثيرون وجودَ قوى متناقضة ومتصارعة في ذواتهم وفي هذا الكون البديع، وهو خلاف الحق والواقع، إذ كل شيء في هذا الكون ـ بما فيه الإنسان ـ: موجود بميزانٍ ومقدارٍ، أي بحكمة وإبداع؛ وكلٌّ يُكمِّل بعضَه ـ تناغماً وانسجاماً وتناسقاً! فليس هناك عداء، أو تضاد وتناقض، بين غرائز الإنسان الطبيعية ونزعاته الروحية، إذ لكلٍّ منها مجاله ووقته وصيغته وطبيعته غير المتعارضة مع الآخَر، والعِبرة بإدراكنا هذه الحقائق وحُسن وقوامة تلبيتنا لتلك الغرائز والرغبات. أيها الأبناء والبنات، إن التوازن هو أول ضرورات الحياة الإنسانية السعيدة الصالحة، سواء على الصعيد النفسي، أي التوازن النفسي، أو على صعيد الصِّحة والجسد وسائر الأمور المادية الملموسة، والمعنوية المحسوسة. ولن يكون هناك توازناً ما دمنا نفتقر إلى رؤىً صحيحةٍ لحقائقنا الإنسانية والوجودية، وعلى رأسها الأخلاق بكافة أنواعها! أيها الطيبون.. إن عِلم الأخلاق عِلمٌ إنساني جميل، قدّمه لنا على الصورة التي بين أيدينا بعضُ أبناء الأسرة الآدمية، فلهم منا كلّ شكر وتقدير؛ ولكن، لنا أن نفاضل في مذاهب ما قالوه وتفضَّلوا به، ولنا، أو: علينا، أن نعود أولاً وآخِراً إلى مسطرتنا الفطرية التي أبدعنا الحقُّ القدُّوسُ عليها، مُستهدين، ومُعتصمين بالأمان والكمال وغاية الجمال: كتاب الله وسنة رسوله (ص). فليس بعد نور الله نور، ولا بعد هداه هدى، ولا بعد خيره خير، ولا بعد عصمته عصمة.. وحسبنا ذينك الإمامان الناطقان الصامتان (الكتاب والسنة)، الحاضران بكل حياتنا والمشهودان! أيها الإخوة والأخوات، جمالُ الحياةُ وكمالُها، وزينتها وسعادتها، يكمن في رجحان كفة السمو والارتقاء والأمن والنمو والازدهار.. على كفة الانحطاط والانحدار والقلق والفقر والشقاء.. وإذا كان لكل شيء معيار وميزان، ومنطق وبرهان، فمعيار السمو وميزانه هو سلامة منطقه وصِحة برهانه، إذ السمو بحد ذاته موضوع شخصي ونسبي، يراه كل شخص منا، ويقدِّمه، من حيثه وجانبه! أما الضابط الأساس للمعايير والموازين فهو الأخلاق، فإذا كانت الأخلاق فاضلة وتامة كانت المعايير صحيحة، والموازين عادلة؛ وإذا كانت غير ذلك كان هناك عيباً وخللاً! وبناءً عليه، يجب علينا النظر في منطقنا ومفاهيمنا، الذاتية والشخصية، والاجتماعية والشعبية، هل هي سليمة وقويمة، تامة وعامة؟ أم غير ذلك؟ وهل من خطرٍ حقيقي يتهددنا في حال تركنا الأمور على ما هي عليه؟! فالمنطق والمفاهيم ــ أيها الأحبة ــ هي الصورة الأولى، والنتاج الأول، للأخلاق وتراكيبها. ولو أخذنا مثالاً في هذا الخصوص وحاولنا مقاربة مفاهيم الناس ومنطقها حول: "الصحة" و "السعادة"، لرأينا اختلافاً كبيراً، وربما تناقضاً، في الآراء والصور. ومردُّ ذلك كله هو الأخلاق التي بَنَى الإنسانُ عليها حياته، وهنا مشكلتنا، أي قضيتنا وموضوعنا! أيها الكرام، بإمكاننا تجاهل أو قول أو ادعاء ما نشاء، ولكن ليس بإمكاننا الانفلات من تأثيرات وجواذب الحقائق والوقائع التي نعيشها ونحياها! فمَن ينكر خطورةَ أمرٍ ما، أو مرحلةٍ ما، مكابرةً، أو جهلاً بحقائق الأمور، سيكون أولَّ المتضررين، وأكثرهم، في مرحلة التمام والنضوج، أي عند ظهور النتائج! وهكذا نرى خطورة قضية الأخلاق، وضرورة المراجعة الفورية، وبدء معالجة النقص والخلل.. والعلاج، لا يكون على مستوى الموجود والمُعَاش بقدْر ما يكون على مستوى: الذي أدَّى إلى ذلك الواقع والمآل. فتصحيحُ صورةٍ ما، موجودةٍ في أذهان الناس، حول أمرٍ ما، لا يكفي! إذ يجب النظر في الخلل الذي أدَّى إلى تَشكُّل تلك الصورة على ما هي عليه وظهور ذاك الناتج. وأُعطي مثالاً مهماً في هذا المجال، هو قضية "الرشوة"! فالرشوة هي نتاج انحطاط إنساني واجتماعي كبير متأتٍّ من فقر إنساني حقيقي في التربية والتوجيه والوعظ، داخل الأسرة وخارجها، قبل الفقر والعوز الماديين، إذ كثيرة هي الشعوب التي عانت من الفقر ما لم تعانيه غيرها ولم تستسلم مع ذلك لحبائل الشيطان! فسقوط الأخلاق الفاضلة في حياة بعض الناس الشعورية، وهو جانب مهم وأساس من بناهم النفسية الداخلية، هو الذي أدَّى إلى ما نحن عليه الآن من واقع غير صحيح، وغير مرغوب به، ولذلك كانت القضية قضية أخلاق. فمِن أهل الريف والمدن، والبدو والحضر، مَن مات على طُهْرٍ رغم كل المعاناة والألم، ومِن تلك الأماكن والمسميات مَن استسلم للشيطان واستزلم له عند أول عراك! إذن، الخطر الحقيقي لا يكمن في "الرشوة" بحد ذاتها، ولا بالمُرتشين والرَّاشين أنفسهم، وإنما بنمط تفكير هؤلاء ومسوِّغاتهم الأخلاقية، وبمَن أوصلهم إلى ذلك الحال! فمَن يُروِّج للسوء ليس كمَن يَسقط به عن ضَعْفٍ وجهل، ومَن يُحلِّل الحرامَ ويَستحِب الخبيثَ ليس كمَن يفعله أو يلجأ إليه مضطراً.. والذهنية المشوَّهة، والثقافة المعوجَّة، لا تأتي من فراغ، إذ لا بُدَّ لها من ظروف بيئية واجتماعية، ومن مروِّجين مؤمنين بها ومنتفعين من وجودها؛ وأولئك الصانعون لذلك، الدافعو الناس إلى الخطأ، هم الخطر الحقيقي الذي يتوجَّب علينا معالجته بكل حكمة وحزم وهدوء وتأنٍّ.. فالإصلاح والنهضة القائمين على الغليان والثورة، واستباحة المحظورات واللجوء إلى المكروهات، قد يؤدِّيان إلى فوضى ومجهول أسوأ ــ في بداياته على الأقل ــ من واقعٍ سيء يُراد تغييره واستبداله! لذلك يتوجَّب علينا ــ كما بيّنا من قبل ــ معرفة العلة الحقيقية واللجوء إلى أهل العِلم والحكمة والحب والنقاء لحل تلك المعضلة ومعالجة ذاك الداء، فالحكماء والخُلَّص من أولي الأمر هم الأقدر على فَهْمِ وحلّ مثل هذه المشاكل، وبأسلم وأنجع الطرق، إذ ينطلق أولئك الأصفياء من قاعدة أنَّ "الكل أهلي" إذ "العالم أسرتي"، وأنَّ ذاك الأخ التائه لا يحتاج إلا إلى النصيحة والمتابعة، وغيره إلى الزجر والمراقبة، وآخَر إلى الدواء والمعالجة.. وأنه لا نَفْع في إقامة الحدود ما لم تعود على المجتمع بالخير المنشود! أيها الأهل الكرام، إذا لم نكن شفافين وصادقين وجريئين كفايةً، لن تكون الحياة الرغيدة العادلة المُرضية لله من نصيب أحد منا! والشفافية والصدق والجرأة يبدأوا من تقويمنا الصحيح لنعمتيّ البصر والذوق الباطنيين، فكيف نرى الأمور ونفهما ونتذوّقها، فنقبَلُها أو نرضاها، هو المهم! وبهذا يعود الدور الفاعل لضمير كل إنسان منا في مراقبة حياتنا وضبطها، الأمر الذي يكفل أجمل حياة، ويضمن أسعدها وآمنها.. فبالضمير الحي ــ أيها الأحبة ــ يكون الصلاح والفلاح، ويُؤمَن كلُّ شيء ويُحقَّقُ كلُّ مرجو.. إذ الرقيب من الخارج لا يجدي نفعاً ولا يترك أثراً كالضابط والوازع الداخلي، وعَدَمُ فِعْلِ أمْرٍ مخافة الرقيب الخارجي والعقاب أمرٌ مُخْزٍ حقاً! وبهذه الحال من التوازن والرُّقي نضمن سلامةَ الأوطانِ وأمنَها، من الغذاء إلى الدواء، ومن التربية إلى الاختراع، ومن التخطيط والتشريع إلى العمل والتنفيذ، ومن المرافق والخدمات إلى الأمن والقضاء.. إخواني وأخواتي، إن الخطر المُهدِّدَ للجنسِ الآدميِّ كَنَوْعٍ راقٍ بديعٍ خطرٌ داهمٌ في ظل أجواء التفكك والتحلُّل والضياع التي نعيشها، ولا أمن لنا، ولا ملاذ، ولا مخرج، إلا بالأخلاق الحميدة الصالحة، التامة الشاملة، فالأخلاق ليست بالصدق وحده وإنما بالود واللين وإفشاء السلام معه، كما ليست بالتهذيب وحده وإنما بمراعاة مصلحة العباد والأوطان أيضاً، وكذلك هي: بقيادة السيارة، وإبداء الرأي، وموافقة الآخرين وتأييدهم، أو بمعارضتهم ومخالفتهم.. فكل تفصيل من تفاصيل الحياة، وجزء، يحتاج إلى فن في الإبداء، وثقافة في الإعلاء، وحُسن أخلاق قبل كل ذلك ومعه وبعده! الأخلاق ــ أيها الأحبة ــ تكون في التفكير كما تكون في السلوك، وتكون بالنيّة وحُسن الظن بالناس كما تكون بصورة التفاعل مع الناس، وليس من المثالية الخيالية أن ينشد الإنسانُ ذلك أو يأمله، بل من العبث والجنون القبول بواقعٍ بعيدٍ عن تلك القيم؛ فلماذا لا نعمل وفق مناهج فردية وجماعية تؤدي إلى مصالح وفوائد فردية وجماعية، ولماذا لا تُربط المصالح الشخصية والأسرية والعائلية والفئوية والمناطقية بمصالح الوطن، فيتم العمل بجدٍّ وإخلاصٍ، وبإرادةِ النجاحِ، فيكون الخيرُ عاماً وشاملاً؟! لماذا نتألم عندما يُسْتَخَفُّ بنا، ونُستَغَلُّ، ولا نأبه بألم العباد ونحن نستخِفُّ بهم ونستغلُّهم؟ لماذا تُكره وتُرفض الوصولية والانتهازية من الغير وتُحب وتُقبل من الذات؟ أليس القبيح قبيحاً بذاته كما الجميل جميل بذاته؟ رَحِم اللهُ مَن فاء إلى الله بتوبةٍ نصوحٍ وعَمَلِ خيرٍ لحوحٍ.. أخيراً، أستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، استغفاراً يفيض رحمة وحباً على سائر أبناء الأسرة الآدمية؛ والسلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته.. سام علي |